والحسن إذ يتوسّع حسنا . ثمّ إنّ كلّ فاعل أوّل ، مأخوذا في ذاته ، / إنّما يجب فيه أن يكون أفضل من مفعوله . فليس احتجاب الموسيقى هو الذي يوجد الموسيقار ، بل توافرها ، كما أنّ الموسيقى الحسّيّة إنّما أتت من الموسيقى التي كانت قبلها . وإن كنّا نحتقر الصّناعة لأنّها ، في صنعه ، تقلّد الطّبيعة ، يجب أن نذكر أوّلا أنّ الأشياء الطّبيعية تحاكي هي أيضا أشياء تختلف عنها . هذا وينبغي علينا أن نعلم أيضا أنّ الصّناعة لا تقف عندما يرى فتقلّده ، / بل إنّها ترتقي إلى المعاني التي تنبعث الطّبيعة منها . فضلا على أنّها كثيرا ما تبدع من ذاتها فتضيف إلى الأشياء ما ينقصها وذلك لأنّ الحسن متوافر لديها . فإنّ فيدياس صنع تمثال المشتري وهو لم ينظر قطّ إلى محسوس ، بل اتّخذ التّمثال على ما ومن شأنه أن يكون فيما لو شاء المشتري أن يتشكّل بصورة ليقع تحت أبصارنا . /
2 ولكن دعنا الآن من الصّناعات ، ولنأت على ذكر ما يقال في عملها إنّه يقلّده ؛ أعني الحسن الذي يكون حسنا طبعا ويوصف بأنّه كذلك . إنّها الحيوانات الناطقة وغير الناطقة كلّها ، ولا سيّما التي استقام صنعها إذ إنّ جائلها وصانعها تيسّر له الاستحكام من الهيولى فحقّق فيها المثال الذي كان / يشاؤه . فما عسى أن يكون الحسن في هذه الأمر وكلّها ؟ ليس بالدّم ولا بالمحيض . بل إنّه إمّا أن يكون ل دينا هاهنا لون ( وهو شيء يختلف عن الدّم والمحيض ) وهيئة ، أو لا يكون لدينا إلّا شيء قبيح أو شيء هو بمنزلة الوعاء للبسائط ، فكأنه لها الهيولى . فلعمري ، أنّى انبعث الحسن الذي ازدهت به هيلانة فنشبت من أجلها المعارك ، / وأنّى لبعضهنّ محاسن الزّهرة ؟ ثمّ أنّى للزّهرة ذاتها حسنها ، بل كيف صار بعض الناس حسنا وبعض الآلهة غير الظاهرة للعيان ولا المقبلة علينا ، تلك التي لو ظهرت لحملت الحسن كلّه في جنباتها ؟ ألا يكون هو دائما ذلك المثال الذي يأتي المفعول من الفاعل ، مثلما يقال في الصّناعات إنّ مثالها إنّما يأتي / الآثار المصنوعة من الصّناعات ذاتها ؟ ثمّ ما ذا ؟ إنّ المصنوعات تكون جميلة ، ويكون جميلا المعنى القائم في الهيولى ، ثمّ ينفي عن ذلك المعنى الذي ليس في الهيولى ، بل في الصانع ذاته ، وهو المعنى الأوّل المنزّه عن الهيولى ؟ بل إنّه هو الذي يتحوّل إلى الأمر الواحد في ذاته . بل إنا نقول إنّه لو كان الحسن من قبل الحجم بقدر ما كان حجما لوجب في المعنى الفاعل ، لأنّه ليس حجما ، / أن يكون قبيحا . أمّا إذا كان المثال القائم في الحجم ، صغيرا أو كبيرا ، هو ذاته الذي يدفع بطاقته على السّواء نفس الناظر ، مولّدا فيها حالا تلابسه ، فإنّه ينبغي في حسن الصورة الّا يجعل من قبل الحجم الحامل جعلا . والدّليل على ذلك هو أنّا لسنا نرى الشّيء ما دام خارجا ، وإذا نفذ إلى باطننا أثّر فينا . / وإنّما يدخل فينا من طريق البصر ، وبكونه مثالا . وإلّا فأنّى له أن يجتاز هذا المنفذ الضّيّق ؟ أجل إن المثال إما يسحب معه الكمّ
تاسوعات أفلوطين — صفحة 482
مساهمون: أفلوطين
ص٤٨٢