الفصل الثامن ( 13 ) في الحسن الروحانيّ
1 إنّا نقول في من وصل إلى مشاهدة العالم الروحانيّ وأدرك الروح الحقّ في بهائه : إنّه قادر على أن يستوعب في ذهنه ذلك الشّيء الذي هو فوق الروح وأبوه . وما دمنا نقول ذلك فلنحاول أن نتبيّن وأن نكشف لذواتنا ، على قدر وسعنا ، كيف الحيلة / في النّظر إلى بهاء الروح والعالم الروحانيّ . فلنفترض ، إن شئت ، حجرين في قدريهما وهما متجاوران ، الأوّل منهما لا يزال على غلاظته لم تتناوله صناعة ، والثاني هندمته صناعة النّقش فحوّلته إلى تمثال إله أو إنسان . ثمّ أصبح ، من حيث كونه تمثال إلهه ، تمثال ربّة الجمال أو الفنّ ؛ ومن حيث كونه تمثال إنسان ، / لا تمثال كلّ إنسان مهما يكن ، بل تمثال إنسان أخرجه الفن جامعا بين وجوه الحسن كلّها . فيبدو الحجر الذي جعلت الصّناعة فيه حسن الصورة حسنا ، لا بأنه حجر - وإلّا لكان الآخر حسنا بكونه حجرا أيضا - بل بالصورة التي خلعتها الصّناعة عليه . ولم تكن هذه الصورة في حيّز الهيولى ، بل كانت / لدى الدّماغ المفكّر قبل أن تصبح في الحجر . هذا على أنّها كانت في الصانع ، لا بمعنى أنّ له عينين ويدين ، بل لأنّ له من صناعته نصيبا . كان الحسن قائما في الصّناعة إذا ، وما كان أفضله آنذاك . فإن الحسن الذي صار في الحجر ، ليس ذلك الذي كان في الصناعة ، بل إنّ هذا الحسن حسن ثابت ، وينبعث من الصّناعة حسن آخر / هو أقلّ وأضعف . كما أنّ هذا الحسن لم يحصل على خلاصته في الحجر ، ولا على ما كانت الصّناعة تريده ، إنما حصل منه على قدر ما كان الحجر مطاوعا للصّناعة . وإن كانت الصناعة الصّناعة تريده ، إنّما حصل منه على قدر ما كان الحجر مطاوعا للصّناعة . وإن كانت الصناعة تجعل الشّيء بحيث يصبح على نحو ما تكون هي عليه في ذاتها وعلى نحو ما يكون لديها - إنّها تجعل الشّيء حسنا وهي متقيّدة بمعنى ما تريد أن تصنع - فإنّ ما لديها من الحسن لأعظم وأصدق أيضا . إنّ لديها الحسن الذي هو حسن الصّناعة ، وهو حسن أعظم وأبهى من الحسن الذي / يتحقّق في الخارج . ولا غرو ، إذ إن الحسن كلّما أقبل على الهيولى وتمدّد فيها ، قلّ عنه حسنا باقيا في وحدته على قدر الانبساط . ذلك لأنّ الشّيء إذا انتشر متبدّدا ابتعد عن ذاته : فهذا هو حال البائس إذ لات بأسا ، والحرارة إذ تتمدّد حرارة ، وكلّ طاقة بوجه عام ، إذ تنبسط طاقة ،