تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
5 هذا فضلا على أنّ ذا الكثرة إنّما يسعى إلى تحقيق ذاته ويريد أن يجمع ذاته إلى ذاته وأن يشعر بجميع ذاته . أمّا الذي يكون واحدا من الوجوه كلّها ، فكيف يسعى إلى ذاته ؟ وما باله يحتاج إلى الشّعور بذاته ؟ لكنّ ما يستوي فوق الشّعور بالذات إنّما هو بالذات ذلك الذي يستوي فوق كلّ عرفان . فإنّ العرفان ليس هو الأوّل لا بالكيان ولا / بالمقام ، بل إنّه الثاني وهو مبدع : كان الخير المحض موجودا ، ثمّ حرّك إليه هذا المبدع فتحرّك ورأى . وهذا هو العرفان : تحرّك نحو الخير المحض رغبة فيه . فإنّ الرّغبة هي التي ولّدت العرفان وأوجدته معها ، إذ إنّ المشاهدة إنّما هي الرّغبة في المشاهدة . / يجب في الخير المحض ذاته أن يعرف شيئا إذا ، لأنّه ليس من شيء ليكون الخير المحض له . وبعد ، إن حدث لشيء يختلف عن الخير المحض أن يعرفه هو ذاته ، فإنّ هذا الشّيء يعرف آنذاك بكونه على مثال الخير وبانطوائه على وجه شبه بالخير . ويعني ذلك أن الخير أصبح له هو خيره ومحطّ رغبته ، فكأنّه أدرك هو صورة عن الخير . وما دام هذا الشّيء على هذه الحالة ، / فإنّه في حال العرفان للخير المحض دائما . هذا وإنّه ، في عرفانه للخير المحض ، يعرف عرضا ذاته أيضا لأنّه يعرف ذاته إذ ينظر إلى الخير المحض . وإنّه يعرف ذاته حين يحقّق فعلا ما يكون عليه في ذاته ، على أنّ الأشياء كلّها ، إذا تحقّقت فعلا ، إنّما تتحقّق باتّجاهها نحو الخير المحض . 6 وبعد ، إن كان ما ذكرنا هو القول الصّواب ، فليس في الخير المحض للعرفان مجال مهما يكن . ينبغي للعارف أن يكون هو شيئا والخير المحض شيئا آخر . وإن قيل : إنّ الخير المحض إنّما يكون بذلك عاطلا عن كلّ فعل ، قلنا : ما هي حاجة الفعل محقّقا أن يتحقّق فعلا ؟ فإنّه ، بوجه عامّ ، ليس للفعل المتحقّق أن يتحقّق . وإن كان الفلاسفة يسندون إلى الأفعال الأخرى / تعلّقها بما يختلف عنها ، فإنّه يجب في الفعل الأوّل بين الأفعال كلّها والذي ترتبط به الأفعال الأخرى ، أن يبقى في مثلما هو عليه في ذاته ، والّا يضاف عليه في ذاته والّا يضاف عليه شيء . إنّ هذا الفعل الذي وصفناه ليس عرفانا إذا . ولا غرو ، فإنّه ليس بين يديه شيئا ليعرفه ، ما دام هو الأوّل . فضلا على أنّه ليس العرفان هو الذي يعرف ، بل ما كان العرفان متوافرا له . هذا ممّا يؤدّي هنا أيضا إلى وجود الاثنينيّة في العارف ، / وليس ذلك الفعل مؤلّفا من اثنين بحال . لكنّا نتبيّن الأمر على أشدّه إن أدركنا كيف يكون العارف على وجهه الأصحّ في كلّ شيء : إنّه لعمري ، شيء مزدوج . إنّا نقول في الحقائق من حيث كونها حقائق ، وفي كلّ منها من حيث بقاؤه على حاله دائما ، وفي الحقائق من حيث أنّها حقائق ؛ نقول في كلّ ذلك إذا ، إنّه في العالم الروحانيّ . ويدلّ هذا أوّلا على أنّ هذه الأمور تبقى بذواتها على حالها ، / في حين أنّ غيرها يجري ولا يبقى على حاله ، وأعني به الأشياء الحسّيّة . ولكنّه يدلّ أيضا وبالأحرى على