الكثير لن يكون ما دام البسيط غائبا . ليس بوسع الشّيء الجزئيّ أن يكون بسيطا إذا ، / كما أنّه ليس من بسيط ما واحد ليقوّم بذاته المركّب من الكثير ؛ ثمّ إنّ جزئيّا من الجزئيّات لن يسعه أن يكفل الوجود لذاته ، ولا أن يعطي ذاته ليكون موجودا مع غيره بسبب كونهما غير موجودين مطلقا . وإن كان كلّ ذلك كذلك ، فكيف يكون المركّب من هذه الأشياء كلّها ، وهو ناشئ من أباطيل ، لا بمعنى أنّها أصابت من الحقّ شيئا ، بل بمعنى أنّها أباطيل على وجه الإطلاق ؟ إذا كان شيء وهو ذو كثرة إذا ، وجب / أن يكون قبل الأشياء الكثيرة أمر هو واحد حتما . وإذا وجبت الكثرة على العارف ، وجب في العرفان الّا يكون في ما هو منزّه عن الكثرة . ولكن هذا هو الذي كان الأول ؛ فيكون العرفان والروح العارف في ما يأتي متأخّرا عليه .
4 وبعد ، إن كان يجب في الخير المحض أن يكون بسيطا وغير ذي حاجة ، فليس يحتاج إلى العرفان . ثمّ إنّ ما لا يحتاج إليه لا يكون حاضرا لديه - وما كان لشيء أن يحضر بين يديه - فليس للعرفان أيضا أن يكون حاضرا لديه .
وإن لم يكن شيء ليحضر لدى الخير المحض ، لأنّه ليس من شيء ليكون حاضرا لديه ، فإنّ الروح أمر يختلف عن الخير المحض لا محالة ، بل إنّ الروح إنّما هو على مثال الخير المحض لأنّه يدرك الخير المحض بالعرفان . /
هذا وإنّه ، في العدد اثنين ، ما دام الأحد مع غيره ، يستحيل على هذا الأحد الموجود مع غيره أن يكون هو العدد واحدا . بل يجب في العدد واحدا أن يكون واحدا في ذاته قبل أن يكون مع غيره . وكذلك القول في الواحد الذي يكون مع غيره في الشّيء : فإنّ هذا الواحد ، ما دام حاضرا على بساطته باعتبار ذاته ، إنّما يجب فيه أن يكون بسيطا لا ينطوي في ذاته على شيء من الأشياء الأخرى التي تكون معه وهو في حال وجود الشّيء مع غيره . / ولعمري ، أنّى للشّيء أن يكون في شيء آخر ما لم يكن ، قبل ذلك ، الأصل الذي يشتقّ منه ذلك الآخر ؟ فإنّ البسيط لا يشتقّ من غيره ؛ أمّا ما كان ذا كثرة أو كان اثنين وجب فيه أن يكون مرتبطا بغيره .
ينبغي إذا أن نشبّه الأوّل بالنور ، وما يليه بالشّمس ، والأمر الثالث بفلك القمر الذي يستمدّ النور / من الشّمس . فإنّ للنّفس روحا مكتسبا وهو الذي ينشر النور عليها ما دامت نورانيّة . أمّا الروح فإنّ الروحانيّة حقيقة في ذاتها ؛ وليس نورا خالصا بل إنّه الذات المشعشعة بالنور في صميمها . ثمّ إنّ الذي يمدّ الروح بالنور ، ما دام هو ليس شيئا غير النور ، فإنّه هو النور الصافي البسيط الذي يجعل الروح قادرا على أن يكون ما هو عليه في ذاته . فما عسى أن تكون / حاجته إلى شيء مهما يكن ؟ إنّه ليس هو ذلك الشّيء الواحد الذي يبقى في غيره دائما على حاله ؛ فإنّ كون الشّيء في شيء آخر غير كونه في ذاته مع ذاته .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 475
مساهمون: أفلوطين
ص٤٧٥