يستحيل تقديرها . فمن ذلك كله يسعنا إذا أن ندرك الوحدة التي تربط بين الأشياء كلها ، وهي وحدة تقوم على أنّ النفس واحدة . ولئن كانت النفس واحدة ، فكيف يكون لدينا النفس الناطقة والنفس البهيمية ، ومن أي نوع تكون / النفس النباتية ؟ ذلك لأنه يجب في جانب النفس الذي لا يتجزّأ أن يصنّف على أنه هو النفس الناطقة ؛ فإنه ليس مقسّما في الأبدان . أما ما يتجزّأ منها في الأجسام ، فإنه واحد هو أيضا . ولكنه إذا توزّع في الأجسام أحدث الإحساس في نواحي الجسم كلها ، فينبغي أن نتبيّن فيه قوة ثانية من قوى النفس . / هذا وتكون قوتها الثالثة القدرة على جبل الأجسام وصنعها ، على أن لا ننفي الوحدة عن النفس لأنّ قواها كثيرة . فإنّ في البذر القوة الكثيرة ، ويخرج من البذر الواحد كثرة ذات وحدة . ولكن ما بال هذه القوى لا تكون كلها في كل شيء ؟ إن النفس الواحدة ذاتها التي يقال فيها أنها منتشرة في الجسم كله ، لا يكون الإحساس فيها على نمط واحد في الحواس الجزئية كلها . / كما أن العقل ليس منتشرا في الجسم كله ، وليست القوة النباتية حيثما يكون الإحساس . ومع ذلك فإن هذه القوى سرعان ما تعود إلى الوحدة عندما تنسحب من البدن . أما القوة الغذائية ، إن كانت مأخوذة من الكل ، فإن النفس إنما تستمدّها من النفس الكليّة أيضا . ولما ذا لا تنبعث إذا هذه القوة الغذائية من نفسنا الجزئية أيضا ؟ ذلك لأن الشيء المغذّى إنما هو جزء من أجزاء الكل ، وهو / جزء يحسّ عن طريق الانفعال . أما الإحساس ، فهو الملكة التي يميّز بها كل منّا الأشياء بمساعدة الروح .
فليست النفس في حاجة بعد ذلك إلى أن تلجأ إليه لتنشئ ما بادر الكل وأقامه في جبلته . مع الأوان هذه الجبلة لو لم يجب فيها أن تكون أولا في هذا العالم الكلي ، لكانت النفس صنعتها في ذاتها .
4 لقد سقت هذا القول كله حتى لا يستغرب أحد ردّ النفوس جميعا إلى نفس واحدة . على أن البحث إنما يدور حول النفوس كلها كيف تكون نفسا واحدة . أبمعنى أنها كلها من نفس واحدة أم بمعنى أنها كلها نفس واحدة ؟ وإن كانت من نفس واحدة ، فهل تكون هذه النفس قد تجزّأت أو إنها بقيت هي كلها ، ثم أخرجت ، مع ذلك ، من ذاتها نفوسا كثيرة ؟ ولكن كيف تبقى هي ذاتها / ثم تخرج منها نفوسا كثيرة ؟ فلنقل إذا - بعد أن نضرع إلى الإله ليكون لنا عونا - إنه لا بدّ من نفس واحدة أولا إن لم يكن بدّ من نفوس كثيرة ؛ ثم من تلك النفس الواحدة تخرج النفوس الكثيرة . إن كانت هذه النفس جسما ، فإذا تجزّأ هذا الجسم ، خرجت النفوس الكثيرة وكان لكل منها ذات تختلف عن ذات غيرها . / ثم إن كانت النفس الواحدة متجانسة الأجزاء ، غدت النفوس الجزئية منه نوع واحد إذ أنها تنطوي على نوع واحد يكون هو الكل ذاته . فلا يختلف بعضها عن بعضها الآخر إلّا بالحجم آنذاك . وإن غدا كيانها نفوسا لقيامها على أحجام
تاسوعات أفلوطين — صفحة 417
مساهمون: أفلوطين
ص٤١٧