به غيره فيدرك كل طرف إحساس الطرف الآخر ، فكأنما أحس أنا بشيء وتحس أنت بشيء آخر .
ثم إنّ لنا وجهين في القول أيضا إن كان المحسوس شيئا واحدا في ذاته ، كالوجه مثلا : فإما أن يتجمّع هذا المحسوس في نقطة واحدة / ( وهذا واضح إذ أنّ المحسوس يتجمّع في إنسان العين ، وإلّا فكيف يشاهد الإنسان به الأشياء الضخمة ؟ لا سيما إذا سارت هذه الأشياء إلى الحاسّة الرئيسة حيث تصبح وكأنها معان لا تتجزّأ ) ، وتكون النقطة غير متجزّئة . وإما أن يتجزّأ المدرك بتجزّؤ المدرك المقدّر بالكم فيتطابقان جزءا بجزء ، ولا يتوافر لأحد منا / إدراك المحسوس كله . لكن المدرك واحد بأسره ، فكيف يقسّم ؟ إنه لا سبيل عنا إلى التوفيق بين مساو ومساو لأن الحاسة الرئيسة مساوية لكل محسوس . ولعمري ، بأي تقدير يكون التقسيم ؟
أيقسّم بقدر ما يكون عليه عدد العناصر التي ينطوي عليها المحسوس الداخل في الحاسة الرئيسة ؟ / فعند ذلك إنما يدرك المحسوس كل جزء من أجزاء النفس بأجزائه هو أيضا . أو أنّ أجزاء الأجزاء هنا تبقى بدون إحساس ؟ لكنّ هذا أمر مستحيل . أما إذا كان يدرك الشيء كلّا كل جزء من أجزاء النفس مهما يكن ، فإن شأن المقدّر بالكم أن يتجزّأ إلى عدد من الأجزاء ليس له نهاية . / ومن ثم يقع على كل جزء من أجزاء النفس ، عند كل محسوس يدركه عدد من الإحساسات ليس له نهاية . فكأن للمحسوس الواحد في حاسّتنا الرئيسة صورا بعدد ليس له نهاية .
ما دام المحسّ جسما إذا ، فإن الإحساس لا يتمّ إلّا بمثل ما يتمّ ختم الخاتم إذ يخلف علامة في الشمع سواء أكانت المحسوسات تختلف علامتها في دمّ أم / في هواء . وإذا حلّت العلامة مثلما تحل في الأجسام الرطبة - وهذا هو المحتمل - سالت كأنها في ماء ، ولا كيان للذاكرة بعد ذلك . أما إذا بقيت الانطباعات فنحن بين أمرين : أو أنه لا مجال لغيرها ليخلف علامته ما دامت هي باقية - فلا مجال لإحساسات أخرى إذا ، أو / أنه يرد انطباعات أخرى فتزول الانطباعات الأولى ، ولا مجال للتذكّر بعد ذلك . أما إذا ثبت التذكّر وورد إحساس وراء إحساس بدون أن يمنع المتقدّم ما يتأخّر عليه أن يقع ، فإنه من المستحيل أن تكون النفس جسما .
7 هذا وإنّا نستطيع أن نتبيّن الشيء ذاته من الإحساس بالألم . إذا قيل في الرجل أنه يحسّ بالألم في إصبعه ، فإن الألم إنما هو في الإصبع ولا شك ، ولكنه لا شك أيضا في أنهم يعترفون بأن الإحساس بالألم إنما يقع في الحاسة الرئيسة . وأن الجزء الذي يقع في الوجع إذا إنما هو جزء ؟ يختلف عن الحاسة الرئيسة التي تدرك هي الروح البخاري ، فتنفعل النفس كلها بالانفعال ذاته . وكيف يجري ذلك ؟ بالنقل ، فيما يقولون : إن الروح البخاري الكامن في الإصبع ينفعل هو أولا ، ثمّ ينقل انفعاله إلى ما يليه ، وهذا إلى غيره حتى ينتهي الانفعال إلى حيث تكون الحاسة
تاسوعات أفلوطين — صفحة 396
مساهمون: أفلوطين
ص٣٩٦