تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
على أنه من المستحيل أن تكون النفس جسما مهما يكن . ذلك لأنّ الجسم يكون حارّا أو باردا ، صلبا أو ليّنا ، سائلا أو جامدا ، أسود أو أبيض ، إلى ما سوى ذلك من الصفات التي تختلف باختلاف الأجسام . ثمّ إذا كان الجسم حارّا فقط ، أحدث / الحرارة ، أو باردا فقط ، أحدث البرودة ؛ وإن كان خفيفا خفّف بقبوله وحضوره ، أو ثقيلا أثقل ، أو أسود أنشأ السواد ، أو أبيض ولّد البياض . فليس بوسع النار أن تبرّد ولا بوسع الجسم البارد أن يسخّن . أما النفس ، فإن أقل ما يقال فيها هو أن أفعالها تختلف باختلاف الأحياء ، / بل إن لها في الحيّ الواحد أفعالا متضادّة . فهي تجعل الشيء جامدا وغيره سائلا ، وبها يكون الغليظ والكثيف واللطيف الشفاف ، أو الأسود والأبيض ، أو الخفيف والثقيل . مع أنه كان يجب فيها أن تحدث شيئا واحدا تبعا لكيفها الجسماني ، ولا سيما تبعا للونها . فالواقع هو أن لها أفعالا كثيرة . / 5 ولكنها كيف تحدث حركات مختلفة ، لا حركة واحدة ما دامت حركة كل جسم واحدة ؟ ولعمري ، لو أنهم كانوا يعلّلون بعض الأفعال بالإرادات ، وبعضها الآخر بمعانيها ، لكان نعم التعليل تعليلهم . ولكن ليس للجسم إرادة ، وليس له مقاصد . فإن أقل ما يقال في المقاصد هو أنها يختلف بعضها عن بعضها الآخر ، في حين أن الجسم واحد وبسيط . / ثم إنه ، وهو كذلك ، لا حظّ له من المعنى إلّا القدر الذي وصله من الشيء الذي جعله حارّا أو باردا . فأنّى للجسم أن يحدث النمو في الزمان بحيث يدرك هذا النماء حدّه المعيّن له ؟ فإن شأنه أن ينمو هو ولا دخل له في إحداث النمو إلّا بقدر ما أنه ينزع من حجم الهيولى ، / فيتّخذه الفاعل الذي يحدث النمو أداة يسخّرها لفعله . ذلك لأن النفس إن كان جسما ينمّي ، فإنها تنمو هي أيضا لا محالة ، وذلك بأن ينضمّ إليها جسم مثلها إذا كان من شأنها أن تسير بخطى متساوية مع الشيء الذي تنمّيه . فيكون ما يزداد عليها أو نفسا أو جسما لا نفس له . وإن كان نفسا ، فمن أين / أتت وكيف دخلت وانضمت ؟ وإن كان المضاف شيئا غير ذي نفس ، فكيف يصير منفوسا ، ويصبح مع ما كان قبله متوافقا وشيئا واحدا ؟ وكيف يشارك النفس الأولى في آرائها ؟ أو لا يكون بمنزلة نفس غريبة تجهل ما عرفته النفس الأخرى ؟ ثم إن الأمر آنذاك مثلما يكون في سائر حجمنا الجسمي : / ينسحب منه شيء ويقبل عليه آخر ، ولا يبقى منه شيء على حال واحدة . فانّى لنا التذكّر بعد ذلك ، وكيف يعرف بعض الأهل بعضهم الآخر ، ما دام أنه ليس لكل منهم نفس واحدة ؟ هذا فضلا على أنه لو كانت النفس جسما ، فإن الجسم بطبيعة حاله ، إن تجزأ إلى أجزاء / كثيرة لا يكون الجزء فيه هو والكل شيئا واحدا . فإن كانت النفس كمّا محدودا ثم قلّ هذا الكم ، زالت من حيث كونها نفسا مثلما هو الأمر في الكم ، إذا حذف منه ، زال ما كان