قد سمعت برجل ذائع الصّيت ، يقيم في ليلوبيوس ، اسمه بروبوس . وهكذا نجوت من رغبتي في الموت . ولكن ذلك حال بيني وبين البقاء إلى جانب أفلوطين حتّى موته « 37 » . 12 كان الإمبراطور جالينوس وزوجته سالونينا يكرّمان أفلوطين ويحترمانه كثيرا . فحاول أن يستعلن تلك الصّداقة ، وطلب ترميم مدينة ، قيل إنها كانت في كمبانيّا وأصبحت بعد ذلك خرابا . حتّى إذا رمّمت وهبت مع ما في جوارها / من أرياف . وتقيّد من همّ بسكناها بالسّلوك الّذي سنه أفلاطون ، ولهذا يكون اسمها « أفلاطونوبوليس » . ثمّ وعد الإمبراطور بأنّه سيقيم هناك منعزلا مع أصحابه . وكان من الممكن أن يتيسّر للفيلسوف ما أراد لو لم / يحل دون ذلك بعض حاشية البلاط حسدا أو بغضا أو لسبب رديء آخر « 38 » .
هامش
( 37 ) إنّ بعض الباحثين يرى في كلّ هذه القصّة تلويحا من فرفوريوس إلى خصومات نشبت بين أفراد حلقة أفلوطين الرّومانيّة . بما دفع هذا الأخير إلى أن يبعد عنه ألمع تلاميذه بحيث يستطيع أن يبعث إليه ، بعد قليل بمخطوطاته الأخيرة ، فيجعله بذلك وصيّة على آثاره وكأنّه يكلّفه بنشرها ( راجع النّصّ 6 : 1 تا ) .
لقد كان فرفوريوس يوم ذاك في أواخر الأربعينات من عمره ، ووقع الحادث في السّنة 268 م ، أي بعد أن كان أفلوطين قد وضع مقاله الصّغير في الانتحار ( 1 ، 9 ) . أمّا توجّه فرفوريوس إلى صقلّية فلربّما كان لوجود مركز مشهور فيها للفلسفة يوم ذاك . لكنّ الواقع أنّ الرّجل يصرّح بأنّه قصد الجزيرة لإيطاليّة لعلاقة ما له هناك برجل يعرف هباسمه .
( 38 ) يجب أن تشير أوّلا ، في ما يتعلّق بهذا المقطع ، إلى ناحيتين اختلفنا في نقلهما عن اليونانيّة من ترجمة برهييه . أمّا الأولى فتقع في السّطر الثّالث من النّصّ اليونانيّ . وهي ، في ما نرى ، إضافة متأخّرة ناجمة عن فساد نال اسمه المدينة الأوّلى في المخطوطات . وقد ترجما برهييه بما يلي «pour les philosolhes. . » . وأمّا الثّانية لتتعلّق بقصد أفلوطين أن يفرض « قوانين » أفلاطون في مدينته المرمّمة . فإنّه ليس يعني التّقيّد بما ورد في الكتاب المعروف بهذا « العنوان » والذي وضعه أفلاطون ، بل التّقيّد بتعاليم شيخ الفلاسفة إجمالا بالوجه الّذي تبدو عليه من خلال مذهبه منظورا إليه بكلّيته .
أمّا ما ينقله فرفوريوس حول علاقات أفلوطين بالإمبراطور جالينوس وامرأته ففيه نظر يختلف عن ذلك الّذي كان شائعا قبل ما أثبتته الأبحاث الحديثة . لا شكّ أنّه كا نبين أفلوطين والبلاط الإمبراطوريّ صلات تستند على الأقلّ إلى الصّداقة الّتي كانت تربط الرّجل ب سابنلّوس ، وهو مجلس الشّيوخ الرّومانيّ ، وكان قد عيّن قنصلا في السّنة 266 م . ولكنّا لا نعلمه أكثر من ذلك في ما يخصّ تلك الصّلات . فمن المحتمل الّا تزيد على أن تكون مجرّد صلات ثقافيّة ربّما أهمّت جالينوس لأنّه كان معروفا بميوله إلى ألوان الثّقافة الهلّنستيّة ( راجعRE Licinius 'L . Wickertرقم 84 ، ص 368 ) .
لكنّ المرجّح أنّه كان يتّخذ تلك الصّلات وسيلة لتطيف الجوّ بينه وبين بعض أفراد مجلس الشّيوخ من المقرّبين إلى أفلوطين . ذلك لأنّ من المجمع عليه أن العلاقات بين مجلس الشّيوخ والبلاط الإمبراطوريّ لم تكن أبدا على خير ما يرام .
فالواقع أنّ أقوال فرفوريوس عن علاقات أفلوطين بجالينوس لا تعني كلّ ما ذهب إليه جلّ كبار الباحثين السّابقين من أمثال :
-Mas Wundt , Plotin , 1919 , 36 sq .- A . Alfoldi , Die Vorherrschaft der Pannonier in Romerreiche und die Rraktion des Hellen- -tums unter Galliemus , in 25 Jahre romischgernanisc he Kommission , 1930 , 11 - 15. لقد تصوّر هذان الباحثان وغيرهما جالينوس سابقا لمن بعده من الأباطرة المتأخّرين ، مثل فيسيباسيانوس ويوليانوس ، أن يحملوا رعايا أمبراطوريّتهم على نهضة أخلاقيّة عن سبيل التّعليم والثّقافة . فجعلوا أفلاطون من أساطين تلك النّهضة الّتي تؤوّل على وجهين : وجه أوّل يتخيّل على أنّ القصد من النّهضة حثّ الشّبيبة على مكارم الأخلاق عن طريق الفلسفة . والوجه الثّاني يؤخذ على أنّ تلك النّهضة خطّة وضعت في مقابل لون التّفكير الجديد الّذي نشأ عن انتشار الدّين المسيحيّ يومذاك . لم يكن الإمبراطور يريد أن يواجه هذا الدّين بالاضطهاد العنيف . فحاول أن يقيم في وجهه تيّارا يعاكسه وهو تيّار السّيرة الّتي يفرضها الفكر الدّينيّ الوثنيّ بالوجه الّذي أخذ يبدو عليه في الثقافة الهلّنسيّة القديمة . لقد أثبتت الأبحاث العلميّة الحديثة أن شيئا من ذلك كلّه لم يكن . فإنّ أفلوطين لم يكن من شأنه أن يبرز للناس « مصلحا » « أو » « رسولا » . وإذا نظرنا إلى مذهبه كلّا ، فإنّا لا نستطيع أن نتصوّره بما ظهر عليه بعض المفكّرين بعده ، وكان فرفوريوس هو الّذي مهّد لظهورهم بل كان السّابق إلى ما وضعوه من مذاهب . على أنّ هذه المذاهب هي الّتي أدّت إلى اختلاف شخصيّة المفكّر الدّينيّ الوثنيّ الهلّنستيّ ، مثلما تجسّدت بالبطل المفكّر الأسطوريّ ابولونيوس التياني الّذي أظهروه فيلسوفا وصاحب كرامات ( راجع المقال عنه في دائرة البستانيّ ) . فإلى هذا البطل الأسطوري يسند القول الدّالّ على رغبة هؤلاء المفكّرين المتأخّرين في التّقرّب ، بل التّزلّف ، إلى البلاط الإمبراطوريّ وحاشيته .
كان يقول في أيّام فيسيباسيانوس : « لا يهمّني الحكم ما دمت في كنف الآلهة » ( راجع ابولونيوس التياني 5 ، 33 - 35 ؛ ثم برهييه ، م . م . ج 1 ، ( ص 14 ، حاشية 2 ) ، أي في رعاية الإمبراطور الّذي بشخصه تظهر الآلهة للناس .
لذلك كلّه لا نستغرب فشل أفلوطين في تصميمه لمدينته . لقد نسب فرفوريوس هذا الفشل إلى رداءة مناوئي أستاذه . لكن لنا أن نتساءل أيضا في ما إن لم يعد هذا الفشل إلى عدم اكتراث الإمبراطور ذاته بذلك التّصميم للأسباب الّتي ذكرت . بل الواقع أنّ ما يعنينا أكثر من ذلك كلّه ، هي الغاية الحقيقيّة الّتي دفعت أفلوطين إلى أن يرغب في ترميم تلك المدينة . لم تكن هذه الغاية إنشاء مركز للتباحث في الأخلاق والفلسفة . بل أن تكون إنشاء منطقة يأوي إليها هو ، مع جلسائه وغيرهم من الفلاسفة طلبا للراحة والاستجمام ، كما ظنّ بعضهم ( راجع 3425 ،Glaube der Hallonen 2 , U . V . Wilamoitz (.
فالمرجّح أنّا نستطيع أن نؤرّخ طلبه إلى الإمبراطور في السّنة 266 ، أي تلك الّتي كان فيها صاحبه ساينلوس قنصلا ، وكان إذا تقرّبه إلى البلاط الإمبراطوريّ على أشدّه وآكده . ولا نستغرب أن يكون أفلوطين قد انتهزها فرصة تتيح له ، إن نجح طلبه ، أن يفرّ من روما هاربا للتخلّص من الأوساط الّتي كان متّصلا بها ، وهي حافلة بالدّسائس يديرها الكثير من أفراد مجلس الشّيوخ لتكدير الجوّ على الإمبراطور . ولربّما كانت تلك الدّسائس هي الّتي دفعت فرفوريوس إلى أن يفكّر بالانتحار الّذي وصف أفلوطين سببه بأنّه « مرض السويداء » . راجع الحاشية ( 37 ) .