قائما في الوحدة فقط ، بل يبدو على أنه ذا كثرة أيضا . ومن ثم فإن الفرد الجزئي إنما يحفظ بتماسك الكل بقدر ما يكون واحدا في ذاته . ولكن الجزئيات كثيرة ، وبقدر ما إنها كذلك ، فإنما يكثر تلاقي بعضها ببعضها الآخر ؛ فيؤذي بعضها بعضا لما بينها من الاختلاف . كل منها يسعى إلى حاجته فيضر غيره ، / لا بل يجعله غذاء له لكونهما متجانسين ومتخالفين في آن واحد . فما دام كل جزئي يطلب ما فطر عليه ، فإنه يأخذ لذاته ما يجد أنه عند غيره . أما القدر الذي يجد عند غيره غريبا عليه ، فإنه يتلفه حبّا لذاته . ثم إن الفرد الجزئي يفعل أفعاله ، / فينفع بها ما كان بوسعه أن يفيد منها شيئا ، ويقضي على الأمور التي لا تقوى على مقاومة فعله في اندفاعه ، أو أنه يؤذيها . مثل ذلك مثل ما يشوى بالنار إذا أتت عليه ، أو مثل الحيوان الصغير يجرّه الكلب في جريه أو يطؤه بأقدامه . فإن كون هذه الأمور كلها وفسادها وتحوّلها للخير وللشر ، / أقول : إن كل ذلك هو الذي يجعل حياة هذا الحيوان الواحد حياة لا نقص فيها تسترسل مع الفطرة . ولا غرو إن لم يكن بوسع الجزئيات أن تبدو وكأنها هي وحدها . وما دامت هي أجزاء ، فإنها ليست هي غايتها لذاتها ، ولا توجّه نظرها إليها هي ذاتها ، بل لذلك الواحد الذي تصدر عنه جزءا له . ثم إنها يختلف بعضها عن بعضها الآخر ، فلا يتيسّر لها أن تحيط كلها بما هو من شأنه / أن يكون لديها دائما في حياة واحدة . وما كان الشيء ليبقى على حال واحدة دائما ما دام البقاء للكل وحده ، وهو بقاء قائم على التحرّك الدائم .
33 ما دامت الحركة الدورية لا تتمّ بحكم الاتفاق والمصادفة ، بل تسير بحكم العقل الذي يوجّه الحيوان ، وجب في الفاعل والمنفعل أن يقع بينهما توافق ونظام ينسّق بعض الأجزاء مع بعضها الآخر . فيكون آنئذ لكل هيئة من هيئات الحركة الدورية ، وهيئات ما هو تحتها ، / وضع يوافقه . فكأن هذه الأمور كلها ، في حلبتها المختلفة العناصر تخرج برقص منسجم واحد . فإنّا نرى ، حتى في حفلات الرقص التي نحضرها ، أن مظاهر الرقص في مرحلة تتغيّر حركاته بتغيّر الألحان في الأدوات التي ترافقه بعزفها ، من ناي وغناء وسواهما مما يتعلّق بأمرنا . / وما عسانا أن نقول في كل ذلك وهو بيّن واضح ؟ لكن أعضاء الرقص يستحيل عليها حتما ان تبقى على حالة واحدة عند كل هيئة يأخذ الرقص شكلها . فإذا انقادت أعضاء البدن للرقص أخذت تميل وتنعطف : فمن عضو ينعكف ، ومن آخر يمتد ، ثم يستسلم هذا للعمل وذاك لنوع من الراحة تقتضيها جملة الرقص في مختلف هيئاته . / هذا وإن إرادة الراقص أثناء ذلك ، إنما هي متّجهة إلى شيء آخر ؛ أما أعضاؤه ، فإنها تنفعل بالرقص طوعا ، وهي في خدمته ، ساعية إلى إخراجه كاملا . ولا غرو إن استطاع الخبير أن يحكم آنذاك لدى كل هيئة من هيئات الرقص ، على كل عضو من أعضاء الجسم أنه يرتفع ، / أو ينعطف أو يتوارى أو ينحدر . ولم يرد الراقص أن يفعل
تاسوعات أفلوطين — صفحة 364
مساهمون: أفلوطين
ص٣٦٤