فإذا انقضت حياتنا سلّم إلى غيره عمله ما دامت قد انتهت الحياة الّتي كانت بين يديه والتي تخوّله القيام بالعمل . فيريد إذا هذا الجنيّ الأخير أن يسيّرنا ، وإذا تمّت له الغلبة صار حيّا .
ولكنّه يقيّد له هو أيضا جنيّا آخر قرينا . فإذا اشتدّت عليه وطأة الأخلاق الدّنيّة ، / كان في اشتداد الوطأة عليه عقابه . وكذلك الأمر أيضا من الأردياء . فإنّ الأصل الّذي يدفعهم ، أثناء حياتهم ، إلى الشّرّ يميل بهم إلى ما هو على شاكله ، أعني إلى الحياة الحيوانيّة . أمّا إذا استطاع هذا الجنيّ أن يتبع ذلك الّذي فوقه ، ارتقى هو أيضا إلى ما فوقه وأخذ يحيا بحياة الجنيّ الأعلى ، وجعل أشرف ما فيه والّذي سيق إليه قائما في العظمة . ثمّ يلي ذلك الجنيّ الأعلى جنيّ آخر أعلى منه / أيضا وكذلك على التّوالي حتّى ننتهي إلى الملأ الأعلى . فإنّ النّفس تقوم بأشياء كثيرة ، وهي الأشياء كلّها العلويّات والسّفليّات ، وإنّها لتمتدّ إلى أنواع الحياة كلّها . ثمّ إنّ كلّا منا عالم روحاني يصلنا ، أدنانا بهذا العالم الحسّيّ ، والرّوحانيّ منّا بالعالم العلويّ وبما تسرّب منه إلى العالم الكلّيّ . وإنّنا لثابتون في الملأ الأعلى بذلك الجانب الآخر منّا الّذي هو روحانيّ كلّه .
ولكنّنا ، في أقصى حدود هذا الملأ ، / لا نزال مقيّدين بالعالم الأسفل كأنّا نمدّ السّفليّات بفيض يصلنا من فوق ، أو بالأحرى بطاقة على العمل من غير أن يصاب العالم الأعلى من وراء ذلك بنقصان .
4 أفيبقى هذا الفيض في الجسد دائما ؟ كلّا ! بل إذا عمدنا إلى الارتقاء ، عمد هو إليه أيضا . وما عسى أن يكون أمر نفس العالم الكلّيّ ؟ أينسحب ما كان فائضا منها على السّفليّات ، إذا عمدت هي إلى الارتقاء ؟ بل قل إنّها لم تمل بجانبها الأسفل إذ إنّها لم تأت ولم تنزل . بل تبقى على حالها فيمسّها العالم بجسمه مسّا / وكأنّه يفيض عليه من نورها ، فلا يقلقها ولا يورثها همّا ما دام ساكنا في أمان . ما ذا إذا ؟ أليس لديه حينئذ إحساس قطّ ؟ يقول أفلاطون : « إنّه لا يرى » ، لأنّه ليس له عين ولا أذن ، بله الأنف واللسان . ما ذا إذا ؟ أليس له شعور مثل شعورنا بما يجري في بواطننا / ؟ بل إنّ طمأنينته إنّما هي بكون ما هو عليه منسجما مع ما هو في ذاته فطرة وجبلة . لا أثر حتّى للّذّة ذاتها ! والقوّة النّباتيّة حاضرة فيه وهي عنه غائبة ؛ وكذلك القول في قوّة الإحساس . هذا وإنّا نرجئ البحث في العالم إلى حينه ؛ فحسبنا الآن قولا معالجته بقدر ما تتّصل مشكلته بموضوعنا .
5 ولكن إذا كانت النّفس لا تختار جنّيها وحياتها إلّا في الملأ الأعلى ، فما ذا يبقى هنا من أمر نأمر به أو نهي ننهى عنه ؟ ألا ، إنّ الاختيار الّذي ذكر على أنّه يتمّ هنالك إنّما يتضمّن إرادة النّفس وأوضاعها كلّا ومجموعا . بيد أنّه إن تمّت السّيادة للإرادة الحرّة في النّفس ، وإذا كان
تاسوعات أفلوطين — صفحة 228
مساهمون: أفلوطين
ص٢٢٨