تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
العناية أو إلى ما يصدر عنها . / فلا نقوى عندئذ على ربط بعض المتعاقبات ببعض وفقا لإرادة العناية ، بل نربطها وفقا لإرادتنا نحن الّذين نقوم بالعمل أو وفقا لشيء آخر موجود في العالم . على أنّ هذا الشّيء لا يتصرّف وفقا لما تقتضيه العناية أو على أنّه له عمل ما أحدثه فينا ونتأثّر به . فإنّ الشّيء لا يحدث دائما تأثيرا واحدا في كلّ شيء أقبل عليه ؛ / بل إنّ الشّيء يختلف تأثيره باختلاف الأشياء . هذي هيلانة في حسنها مثلا : فقد كان له على باريس تأثيره ، ولم يحدث عند ايدوفيوس ذلك الانفعال ذاته . وإذا التقى إباحيّ بإباحيّ وكان كلاهما حسن الوجه ، فإنّ الإباحيّ لا يشعر بما يشعر به المتعفّف حسن الوجه أمام متعفّف آخر مثله . أو أنّ شيئا فلنقل أنّه في حال حسن الوجه دائما ، لا يلاقي المتعفّف الإباحيّ بمثل / ما يلاقي الإباحيّ المتعفّف . وعندئذ لا يكون ما يصدر عن الإباحيّ من عمل العناية ولا متوافقا مع العناية . أمّا عمل المتعفّف فإنّه ليس من عمل العناية إذ إنّه من المتعفّف ، ولكنّه متوافق مع العناية . إنّه عمل منسجم مع العقل الكلّيّ ، كما هو الأمر عند من يعمل بما تقتضيه صحّة البدن : فإنّه هو الّذي يعمل عمله ، ولكنّه يعمل بما يوحي به / الطّبيب . ذلك لأنّ ما يوحي به الطّبيب إنّما هو استنباط من فنّ الطّبيب وهو يسعى إلى تأمين الصّحّة أو إلى دفع الدّاء . ولكنّ الّذي يأتي بعمل ينافي الصّحّة ، فإنّه هو الّذي يأتي بذاك العمل ، ويكون أيضا تصرّفه مخالفا لمعالجة الطّبيب وعنايته . 6 أنّى للمنجّمين إذا أن ينذروا بالشّرور ، ولأنّهم ينذرون بها إذا نظروا إلى حركة الكلّ ، فضلا على ما لديهم من تنجّمات أخرى ؟ قلنا : إنّه لواضح أنّ الأمر راجع إلى تشابك المتقابلات كلّها بعضها ببعض ، وهو كالتّشابك بين الصّورة والهيولى . فإنّنا في الحيوان مثلا ، وهو مركّب ، إذا أدركنا الصّورة والمعنى البذريّ أدركنا أيضا الشّيء وهو / معمور بالصّورة . ذلك لأنّنا لا ندرك الحيوان المركّب على نحو ما ندرك الحيوان الرّوحانيّ . بل إنّا ندرك بنيّة الحيوان المعنويّة في المركّب وهي تعمر بالصّورة الأصل الدّنيّ . وما دام العالم الكلّيّ حيوانا ، فإنّ من يشاهد ما يحدث فيه يشاهد أيضا العناصر الّتي يتكوّن منها والعناية الّتي تشرف عليه . فإنّها تشمل الأشياء كلّها وكلّ / ما يحدث . أعني بذلك الحيوانات وأفعالها وأحوالها الخاضعة للعقل والمقترنة بالحتميّة . إنّنا ندرك الأمور إذا وقد تمّ تمازجها ، كما إنّنا ندركها أيضا وهي لا تزال ماضية في هذا التّمازج . ولكن ليس بوسعنا أن نميّز العناية ونعزلها مع ما يجري وفقا لها عمّا يمدّ به الحامل الهيولانيّ الحامل الّذي يخرج منه . / وليس من امرئ يفعل ذلك ، حكيما كان أو ربّانيّا . بل ربّ قائل يقول : « هذا امتياز خصّه أحد الآلهة بذاته » . ذلك لأنه ليس من شأن المنجّم أن يكشف عن سبب وجود الشّيء بل عن تأكيد وجوده . وإنّ صناعته هي قراءة الحروف الّتي رسمتها الطّبيعة والّتي تدلّ على النّظام ولا تميل قطّ إلى الفوضى . بل تلك القراءة