تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
اطّلاع / على الحركة الدّوريّة في شهادتها ودلالتها الواضحة على الأشياء قبل ظهورها ، من حيث كيف يكون كلّ جزئيّ منها وما هو عدده . فإنّ أمور هذا العالم تتعاون مع أمور العالم السّماويّ والعكس بالعكس ، وتتساند الفئتان معا ليضمنا للعالم الكلّيّ كيانه ودوامه . فللمنجّم المراقب أن يستدلّ من بعضها على بعضها الآخر بواسطة القياس . ولا غرو إذ أن أنواع العرافة الأخرى / إنّما تتمّ بالقياس أيضا . فإنّ الأمور في جملتها يجب الّا تفصل بعضها عن بعض ، وهي متشابهة بعضها مع بعض من وجه ما . وربّما كان هذا معنى القول « إنّ القياس هو الّذي يكفل الأمور كلّها بقاءها » . فإنّ القياس هو بحيث أنّ الأقبح من الأقبح كالأفضل من الأفضل . فالعين من العين مثلا / كالرّجل من الرّجل ؛ وكذلك في كلّ شيء آخر من كلّ شيء آخر . وإن شئنا فلنقل أيضا أنّ الفضيلة من العدل كالرّذيلة من الظّلم . فإذا كان في العالم الكلّيّ مقايسة ، صار بوسع المرء أن يتنبّأ بالمستقبلات . وإذا كانت العلويات تؤثّر في الدّنيويّات ، فإنّها إنّما تؤثّر بحيث يكون تأثيرها مثل تأثير بعض ما في جملة الحيوان على بعضه الآخر . وليس ذلك بمعنى أنّ الواحد منها يولّد الآخر ( فإنّها تتولّد كلّها معا ) ، / بل بمعنى أنّ كلّ جزئيّ يعتريه وفقا لما فطر عليه ، الانفعال الّذي يوافق طبعه . فلأنّ الجزئيّ كذلك هو ، يصله أيضا ذلك النّوع من الانفعال . والعقل الكلّيّ حينذاك هو واحد حقّا . 7 بل نقول أيضا أنّه ما دام في العالم خير كان في العالم شرّ يقابله . بل كيف يكون الشّرّ في هذا الكون المختلف الوجوه ثمّ لا يقابله الخير ؛ وكيف يكون الخير من جانب بدون الشّرّ من الجانب الآخر ؟ فيلزم عن ذلك أنّه يجب الّا تشكو من وجود الشّرّ بين ظهراني الخير بل يجب أن نقدّر من الخير إمداده الشّرّ بشيء من ذاته . وإنّ الّذين يزعمون استئصال الشّرّ من العالم الكلّيّ / ، إنّما يستأصلون العناية ذاتها . ولعمري ، فيم تكون عناية عند ذاك ؟ فإنّها ليست عناية بذاتها ولا عناية بالخير . وعندما نذكر العناية الثّابتة في العالم الأعلى ، إنّما نذكرها على أنّها عناية بما في العالم الأسفل . فإنّ الّذي يضمّ الأشياء كلّها إلى الوحدة ، إنّما هو أصل فيه تكون الأشياء كلّها معا ويكون كلّ شيء هو الكلّ . ومن هذا الأصل تنبعث الجزئيّات في حين أنّه يبقى هو في ما هو عليه في باطنه . / فكأنّه جذر تخرج الأشياء منه ويبقى هو واحدا مع ذاته في كيانه . أمّا ما تشقّق منها ونوّر ، فإنّه موزّع في الكثرة ، يحمل كلّ جزئيّ فيه مثال ذلك الجذر الأصليّ ، بعد أن أصبح هنا كلّ في مكان يختلف عن مكان الآخر . فمنه ما يكون قريبا إلى الجذر ، ومنه ما يأخذ يبتعد ويتشعّب حتّى يغدو وكأنّه أغصان وفروع / وثمار وأوراق . هذا وإنّ بعضه يبقى في ما أصبح عليه ، في حين أنّ بعضه الآخر يتقلّب في صيرورة مستمرّة ، ومنه تخرج الثّمار والأوراق . ثمّ إنّه يكنّ في ثناياه البنى البذريّة المنطوية على سوابقه ، فكأنّه يريد أن يصير بدوره أشجارا صغيرة .