تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
وإذا لم تكن تلك الأمور ما هو ذلك الملك الأكبر عليه ، فإنّ ذلك هو حكم الطّبيعة الرّاهن . أمّا إذا كنت تريد أن تأتي تلك الأمور من عل ، وترى أنّك لست دونها مقاما ، فاذكر أوّلا أنّ الفاضل فاضل بقدر ما أنّه يلطف بالأشياء كلّها وبالنّاس أيضا ؛ ثمّ إنّه يجب / علينا أن نعتبر أنفسنا بلباقة لا فظاظة فيها فنسترسل في ذلك إلى الحدّ الّذي نستطيع بفطرتنا أن ندركه في الاسترسال ؛ فنعتقد أنّ لغيرنا أيضا متّسعا قرب الرّبّ ، فلا ننتظم وحدنا وراءه كأنّنا نستسلم إلى الأحلام فنحرم أنفسنا من أن تتحوّل ربّانيّا إلى الرّبّ بالقدر الّذي يتاح لنفس الإنسان ، / وهي قادرة على أن تحصل من ذلك بالقدر الّذي يسوقها الرّوح إليه ، وكلّ ما تجاوز الرّوح من هذا القبيل إنّما يقع خارج الرّوح . إنّ أناسا لا عقل لهم يحملون على هذا الاعتقاد إذا فوجئوا بسماع كلام من النّوع التّالي : « ستكون من الأمور أفضلها ، ليس في عالم الأنس فقط ، بل في عالم الأرباب أيضا » . فالجهل عظيم الانتشار بين النّاس ؛ / وإذا كان الرّجل ، وضيعا في أوّل أمره ، قليل ذات اليد وهو من أفراد السّوقة ، ثمّ نسمع ما يلي : « إذا كنت أنت ابن اللّه ، وليس الآخرون الّذين تعجب بهم أبناء اللّه ، حتّى الأمور ذاتها الّتي أصبحت محطّ الإجلال بتقليد السّلف ، فإنّك أنت خير من السّماء ذاتها ، بدون جهد منك » . أفيصفّق بعد ذلك الآخرون استحسانا ؟ مثل ذلك كمثل رجل بين جمهور من النّاس يجهلون الحساب ويجهله هو أيضا ، / فسمع أن طوله ألف ذراع ، فما عسى أن يكون من أمره فيما لو اعتقد أنّ طوله ألف ذراع وهو يسمع أن طول كلّ من الآخرين خمسة أذرع ؟ ليس أكثر من أنّه يتخيّل أنّ الألف عدد في منتهى الضّخامة . هذا علاوة على أنّه إذا كان اللّه يشملكم بعنايته ، فلما ذا يهمل العالم الكلّيّ الّذي أنتم فيه ؟ فإذا قيل / : « أنّه لا يتسنّى له أن ينظر إلى هذا العالم ولا يجوز له أن ينظر إلى عالم السّفل » ، قلنا : إذا كان ينظر إليكم ، لما ذا لا يكون ناظرا إلى ما هو خارج عنه ، وهو كذلك إذا نظر إلى العالم الّذي أنتم فيه ؟ أمّا إذا قيل : « أنّه لا ينظر إلى ما هو خارج عنه ، بحيث أنّه لا يشرف على تدبير العالم » ، فنقول : « أنّه لا ينظر إليكم أيضا » . فيقال : « لكنّ النّاس ليسوا بحاجة إليه » ، فنقول : « بل إنّ العالم في حاجة إليه » ، / فيعرف العالم حينذاك نظامه الخاصّ ، ويعرف المقيمين فيه كيف أنّهم منه وكيف أنّهم من الملأ الأعلى ، ويعرف من هم أولياء اللّه بين النّاس ، هؤلاء الّذين يصبرون على ما يتأتّى من الكلّ إذا طرأ عليهم ما لا مردّ له من حركة الكلّ ؛ ذلك لأنّ ما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار ليس ما يروق الأفراد فردا فردا ، بل ما هو من صالح الكلّ ، فيكرّم كلّ شيء بحسب ما هو أهل له ، ويوجّه السّعي / دائما إلى ما تسعى إليه الأشياء كلّها في حدود إمكانها ( فإنّ الكثير من الأشياء يسعى إلى الملأ الأعلى ، بل كلّها ، فمنها ما يكون ناجحا في سعيه وهو سعيد ، ومنها ما يصيب على قدر إمكانه المصير اللائق به ) . ولا يعطى ذلك الإمكان لكلّ على حياله ؛ فإنّ المرء إذا تباهى بأنّ لديه شيئا ، ليس يعني ذلك أنّ لديه ما يتباهى به ، / بل ما أكثر الّذين يعلمون أن ليس لديهم شيء