تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاسوعات أفلوطين — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
تقبّلوا ذلك عن رضى ، / ما هي طبيعة الأمور بحيث يكفّون عن شتم المقدّسات الّذي سرعان ما يستسلمون إليه بدلا من أن يلتزموا الأدب الجمّ الّذي يفرضه الذّوق في هذا المقام . علاوة على أنّه ليس في سياسة الكون ما يسوّغ لأحد نقدها إذ أنّ أوّل ما تدلّ عليه هو عظمة الحقائق الرّوحانيّة . فإنّ ذلك الكلّ إذا دخل الحياة كذلك وهو ليس ذا حياة متفكّكة - ( مثلما هو الأمر / في الأحياء الحقيرة الشّأن فيه الّتي تتولّد ليلا نهارا عن فيضان الحياة لديه ) - بل كانت حياته حياة مسترسلة ، واضحة الخطوط والمعالم يتّسع حضورها إلى كلّ ناحية ، مسفرة عن حكمة لا يدرك غورها ، فكيف لا نقول عنه أنّه حقّا تمثال / بارز رائع للأرباب الرّوحانيّين ؟ وإذا كان محاكيا الملأ الأعلى ، فإنّه ليس ذلك الملأ ، وهو كذلك طبعا وإلّا لما كان فيما بعد محاكيا . وباطل أن يقال أنّه محاكاة غير صادقة ؛ فإنّه لم يهمل فيه شيء ممّا يمكن أن يتمّ ويكون في أحسن رسم أحسنت الطّبيعة صنعه . ذلك لأنّه من الواجب حتما الّا تكون هذه المحاكاة / إخراج الفكر والصّناعة ؛ فإنّ الرّوحانيّ لا يجوز أن يكون في طرف ليس بعده طرف فلا بدّ من أن يكون له عمل مضاعف : عمل في ذاته ، وعمل على غيره . ومن ثمّ لا بدّ من شيء يتأخّر عنه ؛ فلو كان وحده لما وجد بعد ذلك ما يولّي بوجهه إلى عالم السّفل ، وهذا / أشدّ المستحيلات استحالة . فإنّ في عالم الرّوح قوّة غريبة تجول ، فلا غرو إن تمّ له أن يحقق أعماله . فإن يكن أفضل ، من عالمنا عالم آخر ، فما عساه يكون ؟ أمّا إذا كان لا بدّ من عالم ، وليس من عالم غير عالمنا ، فإنّ عالمنا هذا هو الّذي يحفظ فيه محاكاة الملأ الأعلى . فهذي الأرض كلّها حافلة بالحيوان / على اختلاف أنواعه ؛ وهذا العالم كلّه والسّماء معه ، حافل بالكائنات الخالدات ؛ ثمّ الكواكب ، ما منها في الأفلاك الدّانية ، وما منها في السّماوات العالية ، لما ذا لا تكون أربابا وهي تتحرّك بتساوق وتدور بانتظام ؟ لما ذا لا تكون قائمة في الاعتدال أو ما الّذي يمنعها من اكتسابه ؟ فإنّه ليس في السّماء ما يبعث على الشّرّ كما أنّ الأمر هنا ، وليس في الأجسام هناك نقص يعكّر فيها أو يجعلها / ممسكة عن العمل . ثم إنّها في صفائها الدّائم ، لما ذا لا تدرك وتتلقّى في الرّوح الرّبّ الأكبر والأرباب الرّوحانيّة الأخرى ، ثمّ يعترف لنا نحن بحكمة تفوق فضلا حكمة من يقوم هنالك ؟ ومن ذا الّذي يسلّم بذلك إلّا إذا خرج عن طوره ؟ ثمّ إنّ النّفوس إذا أرغمتها نفس العالم الكلّيّ فجاءت إلى عالمنا ، فكيف / تفضّل على ما هنالك وهي مرغمة ؟ فإنّ الفضل في النّفوس للنفس الّتي تمّ لها من دونها حقّ السّيادة . وإذا أتيتم إلى هذا العالم عن رضى ، فما بالكمّ تذمّون عالما قدمتم إليه طوعا وهو يتيح الانسحاب لمن لم يرقه المقام فيه . أمّا إذا كان هذا العالم الكلّيّ بحيث نستطيع ونحن فيه أن نكفل لذواتنا الحكمة وأن نحيا هنا حياة منسجمة مع « ما هنالك » ، فكيف لا / يكون بذلك شاهدا على أنّه متعلّق بالملإ الأعلى ؟
تاسوعات أفلوطين — صفحة 173 | أفلوطين