كالمركز من الدّائرة . هذا ولا يقال « المركز » في الجسم وفي حقيقة النّفس بمعنى واحد :
فالمركز هنا هو ما ينبعث منه سائر ما في النّفس ، أمّا من حيث الجسم فبالمعنى المكانيّ .
فالمركز إذا لفظ مشترك / حتما ؛ وكما أنّ هناك مركزا ، فههنا أيضا وعلى الوجه ذاته مركز حتما ، وهو وحده مركز الجسم والفلك : ذلك لأنّه كما تدور النّفس حول مركزها ، فكذلك الشّأن في العالم الكلّيّ . ثمّ إذا كان للنفس مركز ، فإنّها تدور حول اللّه ، وتغمره بحبّها ، وهي مقيمة حواليه ما تيسّر لها الأمر ، إذ أنّ كلّ شيء متعلّق به . فلمّا لم تكن تسير إليه ، فهي إنّما تبقى حواليه . وكيف لا تكون النّفوس كلّها / هكذا ؟ إنّ كلّ نفس على ذلك حيثما تكون . وإن قيل لما ذا لا يتمّ ذلك لأجسادنا أيضا ؟ قلنا : لأنّ ما يتحرّك بحركة مستقيمة يلازمها ملتصقا بها ، ولأنّ رغباتها متحوّلة إلى أمور أخرى ؛ علاوة على أنّ كرويتنا ليست محكمة الاستدارة : فإنّها أرضيّة ، وما في السّماء ينقاد للحركة خفيفا لطيفا ؛ وإلّا لما ذا تتوقف عند أدنى اضطراب في النّفس . / ولكن قد يحدث ذلك فينا أيضا النّفح اللطيف الّذي يحيط بالنّفس . ذلك لأنّه إذا كان اللّه في كلّ شيء ، وجب على النّفس الّتي تريد أن تحيا معه أن تدور حوله ، إذ أنّه ليس له حيّز يقيم فيه . وإنّ أفلاطون لا يعترف للكواكب بالحركة الدّوريّة الّتي تشمل الكلّ فقط ، / بل يعترف أيضا بحركة خاصّة لكلّ كوكب حول مركزه ، لأنّ كلّ شيء ، أينما كان ، يدرك اللّه فينشرح ؛ وليس ذلك بالتّعقّل الواعي بل طبعا وحتما .
3 ويكون ذلك على نحو ما يلي :
إنّ إحدى قوى النّفس ، وهي أدناها ، تنطلق من الأرض « وتتخلّل » الكلّ ؛ أمّا القوّة الّتي فطرت على الإحساس وتلقّت العقل بكونه رأيا وظنّا ، فإنّها قائمة في جهة فوق ، بين الكواكب ، ترافقها في سيرها ، فتمدّ القوّة الأولى من ذاتها وتزيدها حياة . / فإنّ القوّة العليا تحرّك إذا القوّة السّفلى ، فتحيط بها من كلّ صوب وتستوي السّفلى ، على القدر الّذي انتهى صعدا إلى الأفلاك .
ومن ثمّ إذا استدارت القوّة العليا حول القوّة السّفلى من كلّ صوب ، وشدّ بهذه القوّة ميلها إلى الأولى ، اتّجهت حتما نحوها وأحدث اتّجاهها هذا حركة دوريّة في الجسم الّذي أمسكت فيه . /
ذلك لأنّه إذا تحرّك جزء في كرة بحركة ما وهو لا يزال باقيا حيث هو من الكرة ، هزّ ما كان فيه وصارت الحركة في الكرة كلّها . وهذا ما يتمّ في أجسادنا : إذا تحرّكت النّفس بحركة تختلف عن الحركة المكانيّة ، كما إذا فرحت مثلا أو بدا لها خير ما ، حدثت حركة الجسد ، وهي حركة مكانيّة . / ففي السّماء أيضا تكون النّفس في الخير ويزداد إدراكها له قوّة ، فتتحرّك ساعية إلى الخير وتجرّ الجسم بحركة مكانيّة تلائم ما فطر عليه الجسم هناك . ثمّ إن القوّة الإحساسيّة ، ما دامت هي أيضا تتلقّى بدورها الخير من جهة فوق ، وتطرب لأفراحها الخاصّة ، وتتبع ذلك الّذي
تاسوعات أفلوطين — صفحة 124
مساهمون: أفلوطين
ص١٢٤