الفصل الثّالث ( 52 ) فيما إذا كان للنجوم فعل
1 إنّ حركة الكواكب لتنبئ حول كلّ أمر عن مستقبلاته ، ولكنّها لا تحدث هي تلك الأمور ، كما يظنّ كثيرون : هذا بحث عولج في مكانه ، وخرجنا منه ببعض أدلّة مقنعة ؛ غير أنّه لا بدّ الآن من القول فيه بشكل أدقّ وأوسع ، وليس يسير أن تكون من الأمر على هذا الرّأي أو ذاك / . إنّ النّجوم في تنقّلاتها ، فيما يقال ، لا تحدث من الأحوال مثل الفقر والغنى ، والصّحّة والمرض فقط ، بل تحدث أيضا مثل القبح والحسن ، وتحدث ما هو أهمّ من ذلك ، أعني الرّذائل والفضائل ، وما ينتج عن هذه وتلك من أعمال ، عند حدوث كلّ عمل في حينه ؛ فكأنّها ناقعة على / النّاس ومن وراء سيّئات لم يأتوا بها ليعاقبوا عليها ، إذ إنّهم حينذاك في الوضع الّذي هيّأته النّجوم ذاتها لهم . ثمّ إنّها فيما يقال أيضا ، لا تصنع الخير منّا على الّذين يصيبون منه ، بل تبعا للمناطق الّتي تحلّ فيها أثناء دورتها ، فتكون في حال السّخط تارة ، وفي حال / الرّضى طورا ، ويكون مزاجها عندما تصير إلى السّمت غيره عندما تميل إلى الجوانب ؛ بل هناك ما هو أعظم من ذلك : فإنّ بعض الكواكب شرّيرة ، عند القوم ، وبعضها فاضلة ، ومع ذلك تمدّ الشّرّيرة بالخير فيما يقولون ، أمّا الفاضلة فقد تصبح رديئة ؛ وأيضا ، إذا ما نظر بعضها إلى بعض أحدثت غير ما تحدث إذا لم ينظر بعضها إلى بعض . / فكأنّ الكوكب ليس لذاته مع ذاته ، بل كأنّ الكوكب إذا نظر إلى آخر أصبح غير ما هو إذا لم ينظر ؛ فهي فاضلة إذا نظرت إلى هذه النّجمة ، وإن تنظر إلى نجمة أخرى تكن على غير تلك الحال ؛ والنّظر أيضا إن تمّ والكلّ على هيئة ما يختلف عن تمامه على هيئة أخرى . علاوة على أنّ مزاجها ، إذا اختلطت برمّتها بعضها مع بعض ، يختلف عن مزاج كلّ منها ، مثلما أنّ مزيجا من سوائل / مختلفة يختلف عن كلّ من السّوائل الممتزجة على حدة . تلك هي الآراء الّتي يذهبون إليها ومعها غيرها على مثالها ؛ فيليق بنا أن نعالجها رأيا رأيا ، والوجه أن نبتدئ بما يلي .
2 هل يجب أن نتصوّر تلك الكواكب الّتي تتحرّك هكذا بنفوس أم لا ؟