ذلك عمل تمّ بعناية . بل / بعناية من النّار نفسها بحيث أنّها ، إذا انتهت إلى السّماء ، سارت من تلقاء ذاتها بحركة دائريّة . أو أنّها إذ تندفع بالحركة المستقيمة ولا يبقى أمامها محلّ تملؤه ، فكأنّها تنزلق على صفحة الفلك وتعكف حولها حيث يتيسّر لها الأمر : فإنّها ليس لها بعد ذلك حدّ تدركه ، والحدّ الّذي وصلت إليه هو الأخير . فهي تعدو إذا حيث يتّسع لها المجال ، وهي لذاتها مجال / ذاتها ، لا لتبقى ساكنة بعد أن صارت إلى ما هي فيه ، بل لتدفع فتتحرّك . أمّا الدّائرة فإنّ مركزها يبقى ساكنا طبعا ؛ وأمّا المحيط من الخارج ، فهو إذا سكن ، غدا مركزا ضخما عظيما ؛ وهو أحرى بالدّوران حول المركز في حال كون الكلّ حيوانا ذا جسم طبيعيّ .
فيميل ذلك المحيط هكذا نحو المركز ، لا بأن يتقلّص وينضمّ إليه ، / فيعدم الدّائرة ، بل ، ما دام يستحيل عليه ذلك الانضمام ، بأن يدور حوله ، فيحقّق بذلك - وبذلك فقط - رغباته . وإذا كانت النّفس هي الّتي تشرف على تلك الحركة ، فلن ينالها منها تعب ، فإنّها لا تجرّ الكلّ جرّا ، وليس في عملها ما تنفّر الطّبيعة منه . فما الطّبيعة إلّا من تنظيم النّفس الكلّيّة . وما دامت هذه النّفس كلّها في كلّ جهة ، غير موزّعة على الكلّ / جزءا جزءا ، فإنّها تمكّن السّماء من أن تكون في كلّ جهة ، ما استطاعت السماء إلى ذلك سبيلا . وهي قادرة على ذلك باجتيازها الكلّ وجولانها فيه . وإذا كانت النّفس ساكنة في محلّ ما ، فإنّ السّماء ، إذا وصلت إليه ، سكنت أيضا . ولكنّ الواقع هو أنّ النّفس بكلّ ما فيها تكون في كلّ جهة ، فترغب السّماء في إدراك الكلّ أيضا . وما ذا بعد ؟ أفلن يتمّ ذلك لها ؟ بلى ! وليتمّنّ لها دائما ؛ أو بالأحرى ما دامت النّفس / تسوق العالم السّماويّ دائما إليها ، فإنها في سوقها له ، تجعله في حركة دائمة ؛ ثمّ إنّها لا تدفعه بالحركة إلى كلّ محلّ مهما يكن ، بل تشدّ به إليها وتحفظه في محلّ واحد ؛ وما دامت لا تدفعه بحركة مستقيمة بل بحركة دوريّة ، فإنّها تمكّنه من أن يدركها أينما وصل . ولو استقرّت ساكنة ، كأن تكون فقط في الملأ الأعلى ، حيث كلّ شيء ساكن ، / لتوقّف العالم السّماوي أيضا وسكن . ولكنّها ما دامت لا تكون فقط في ناحية ما هنالك ، فإنّ السّماء تتحرّك في أثرها ، بدون أن تكون حركتها إلى الخارج ؛ فهي إذا تتحرّك بحركة دوريّة .
2 والأمور الأخرى ، كيف تكون حركتها ؟ ليس كلّ منها كلّا بذاته ، بل هو جزء محصور في حيّز جزئيّ . أمّا العالم فكلّ ، وكأنّه لذاته حيّز ذاته ؛ فلا حاجز له ، إذا أنّه الكلّ . والآدميون ، كيف تكون حركتهم ؟ إنّ الآدميّ من حيث إنّه مقيّد بالكلّ هو جزء . ومن حيث إنّه هو ذاته ، فكلّ خاصّ .
وإن تكن لجسم العالم نفسه أينما حلّ ، / فما باله يدور حول ذاته ؟ ذلك لأنّ النّفس ليست فقط في العالم الأعلى . ثمّ إذا كانت قوّة النّفس في وسطها ، فإنّ تلك القوّة من النّفس
تاسوعات أفلوطين — صفحة 123
مساهمون: أفلوطين
ص١٢٣