بالنّور أشدّ ما يكون نصاعة ، ما دامت قائمة في المكان الأعلى مستقرّة طبعا هنالك ، / فالواجب علينا الّا نتصوّر الشّعلة الّتي على الأرض ممتزجة بما في السّماء ، بل إنّها إذا أدركت علوّا ما انطفأت بعد التقائها بقدر زائد من الهواء . وإذ كانت تحمل ترابا أثناء ارتفاعها فهي ترتدّ إلى تحت ولا تقوى على الاستمرار صعدا إلى فوق ، فتستوي تحت فلك القمر فتزيد الهواء هنالك لطفا ، وإذا بقيت شعلة ، / فهي خامدة تكاد تهمد ، وما بقي لها من اللّمعان ما كان لها إبّان اضطرامها ، بل بقي منه ذلك القدر الّذي تعكس من النّور المنبعث من فوق : أمّا النّور السّماويّ الموزّع بنسب مختلفة بين الكواكب ، فهو الّذي يميّز بعضها عن بعض حجما ولونا . / ومنه أيضا باقي السّماء ، وهو لا يرى ، مثل الهواء النّقيّ ، للطف مادّته وشفافيّتها الّتي ليس فيها ما يردّ البصر ؛ هذا فضلا على بعده أيضا .
8 وما دام النّور الّذي سبق وصفه باقيا في جهة فوق ، في المحلّ المعدّ له ، وما دام هو الصّافي في المكان الأصفى ، فبأيّ طريقة يجري ويخرج ممّا هو وفيه ؟ إنّه لم يفطر طبعا على أن يخرج ويجري نحو الأسافل ، وليس في السّماء ما يدفعه كرها إلى تلك الجهة . ثمّ إنّ كلّ جسم إنّما هو مع / النّفس غير ما يكون عليه وحده ؛ وهكذا جسم السّماء ، فهو يختلف عمّا من شأنه أن يكون عليه ، فيما لو كان وحده . ثمّ إنّ ما في جوار السّماء ، إمّا هواء وإمّا نار . أمّا الهواء فما عساه أن يفعل ؟ أمّا النار فليس لديها ما يؤهّلها إلى أن تحدث تأثيرا ما ، كما أنّها ليس في وسعها أن يتاح لها اتّصال ما تفعل بوساطته : فهي من السّرعة بحيث أنّها تتغيّر قبل أن ينفعل بها جسم السّماء ، / علاوة على أنّها أضعف طاقة من أن يسوّى بينها وبين النار التي على الأرض . ثمّ إنّ عمل النّار أن تولّد الحرارة ؛ والّذي يصبح حارّا ينبغي الّا يكون حارّا من تلقاء ذاته . فإذا أتلفت النّار شيئا ، وجب أوّلا أن يصبح حارّا ، وأن يصبح في حالة الحرارة قسر طبيعته . فليست السّماء إذا في حاجة إلى جسم / غريب عنها لتبقى ولا لتقوم بالدّورة الّتي من طبعها ؛ ذلك لأنه لم يقم الدّليل بعد على أنّها تمضي طبعا على الخطّ المستقيم : فإمّا السّكون وإمّا الحركة الدّوريّة ، هذا ما فطرت عليه الأجسام السّماويّة ؛ وما خرج عن هاتين الحركتين لزم قسرا ما تناوله . فالوجه إذا الّا يقال أنّ ما هنالك في حاجة إلى غذاء ، والّا يستدلّ بما هنا على ما هنالك ، / فلا يجمع بين العالمين نفس واحدة ولامكان واحد ، وليس من داع هناك إلى الغذاء الّذي تحتاج إليه هنا الأجسام المركّبة وهي في جري مستمرّ يكون التغيّر فيها تحوّلا عن ذاتها ما دامت تحت إشراف قوة طبيعيّة غير النّفس السّماويّة ، وهي من الضّعف بحيث لا يسعها / أن تحفظ تلك الأجسام في الإنّيّة ، بل تقلّد في عالم التّكوين والحدوث . والأمور السّماويّة لا تبقى مع ذلك هي هي على وجه الإطلاق ، مثلما تبقى الأمور الرّوحانيّة ، وهذا قول مرّ ذكره .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 121
مساهمون: أفلوطين
ص١٢١