كان من الأمر على صواب ، لأنّ عند أفلاطون ما يساعد على تأييد هذا الرأي بالاحتمال . وهو أنّا إذا ما عمدنا إلى معطيات الإحساس ، إدراكا بالبصر وباللمس ، بدا لنا الكواكب نارا معظمه أو كلّه ؛ أمّا عند من يباشره بالعقل ، / فإنّ فيه أيضا ترابا طالما أنّ الجوامد ليست جوامد بدون تراب . وهل هو في حاجة إلى الماء والهواء ؟ أمّا أن يكون ماء في نار بذلك القدر فمحال ؛ وأمّا الهواء ، إذا كان ، فإنّه يتحوّل إلى النّار . بل إذا اقتضى جامدات في وضع طرفين أن يكون بينهما وسيطا ، / فليس من الواضح أن يجيء الأمر كذلك في الطّبيعيّات ؛ ذلك أنّا نستطيع أن نمزج ترابا بماء بدون حاجة إلى وسيط قطّ . وإذا قيل : « إنّ العناصر الأخرى إنّما كانت في التّراب وفي الماء » ، فلربّما كان لهذا القول معنى ما ؛ ولكن قد يردّ عليه بأنّ « تلك العناصر ليست هنا للجمع / بين المتآلفين » . فإذا قيل أيضا : « لقد تمّ الجمع بين الطّرفين ، لأنّ في كلّ منهما كلّ العناصر » . عند ذلك ، لا بدّ من النّظر فيما إذا لم يكن التّراب يرى بدون نار ، وإذا لم تكن النّار جامدة بدون تراب ؛ وإذا كان ذلك كذلك ، فالوجه أنّه ليس لشيء حقيقة في حدّ ذاته ، بل كلّ شيء مزيج ، وإنّما يعرف بالأصل الرّاجح فيه . ثمّ يقال أيضا أنّ التّراب لا يمكن أن يكون متماسكا بدون رطوبة ، / فإنّ رطوبة الماء للتراب لزاق . ولكن إذا سلّمنا بأنّ الأمر كذلك ، كان من المحال أن نقول في شيء أنّه له بذاته إنيّة ما ، ثمّ لا نعترف لهذا الشّيء بالقيام مع ذاته في حدّ ذاته ، بل مع ما سواه من الأمور الأخرى ، ما دام الشّيء لم يكن وحده شيئا . فكيف تكون حقيقة التّراب ، ويكون أمر من شأنه أن يصبح ترابا ، ما دام جزء التّراب لا يكون ترابا / إلّا إذا تخلّله ماء يتمّ به الالتصاق ؟ فما عسى أن يلصق الماء ما دام ليس ثمّة قدر من تراب يلصق بعضه ببعض فيخرج الكلّ المتّصل ؟ وإن يكن التّراب ، أيّا كان قدره ، فإنّ ثمّة بالطّبع ترابا دون ماء حقا . وإلّا لما كان شيء يلصقه الماء . والهواء أيضا ، لما ذا يحتاج إليه حفنة التّراب حتّى يكون بإنيّتها ، / وأعني الهواء الّذي لا يزال باقيا في ما هو عليه ولمّا يتحوّل . أمّا النّار فلم يذهب أحد إلى افتراضها لإنيّة التراب ، بل لكي يرى هو وغيره أيضا . فقد تطيب لنا الموافقة على أنّ الإبصار إنّما يكون بواسطة النور ، فلا يقال أنّ الظلام يرى ، بل أنّه لا يرى ، كما أنّ / الصّمت لا يسمع . ولكن حضور النّار في التّراب ليس ضروريّا ، فالنّور يكفي : إنّ الثّلج والأجساد الشّديدة برودتها تسطع سطعانا بدون نار . على أنّ ربّ قائل يقول : « ولكنّها كانت في تلك الأشياء فأكسبتها لونا قبل أن تغادرها » . ثمّ ترد مشكلة الماء فيها إذا لم يكن ماء ما لم يصب شيئا من التّراب . أمّا الهواء ، فكيف يقال / أنّ فيه شيئا من التّراب ، وهو مائع ؟ أمّا فيما يختصّ بالنّار ، فهل يعوزها تراب وهي لا تمدّد لها من تلقاء ذاتها ، وليس لها الأبعاد الثّلاثة أيضا . أمّا الصّلابة فهي من لوازمها ، لا بمقتضى البعد الثّلاثيّ بل بمقتضى المناعة ، وهذا أمر واضح : فلما ذا ألا تكون إذا بحكم تلك الصّلابة جسما من أجسام الطّبيعة ؟ أما الصّلادة فللتراب
تاسوعات أفلوطين — صفحة 119
مساهمون: أفلوطين
ص١١٩