وكأنّ ما تمّ لها على القدرة من الضّبط إنّما تمّ قدرا ، وكأنّ ما هو بالطّبع غير ما هو قائم حقّا في طبيعة الكلّ وفي حسن انتظامها ، أو كأنّ ثمّة ما في وسعه أن يبطش بالوضع الرّاهن فيدكّه دكّا ويتلف النّفس في حقيقتها كما تقوّض الدّول والممالك إلى أركانها .
هذا وإنّ انتفاء البداية - وقد سبق / الدّليل على إحالتها - كفيل بما سوف يتمّ . ولما ذا تأتي ساعة لا يكون فيها شيء ؟ فإنّ العناصر لا تبلى مثلما يبلى الحطب وما إليه ؛ ولئن كانت باقية ليبقينّ الكلّ . وحتّى لو أنّها كانت في تبدّل مستمرّ ، فإنّ الكلّ باق لأنّه باق على ما هو في أصل التّبدّل . أمّا « توبة / النّفس « فقد ثبت أنّها أمر باطل لأنّ رعاية الكلّ لا وصب فيها ولا عطل . وإذا كان الفناء مصير كلّ جسد ، فلا تتحوّل النّفس قطّ إلى غير ما هي عليه .
5 ولكن كيف تبقى الجزئيّات في السّماء ثمّ لا تبقى العناصر هنا والحيوانات ؟ يقول أفلاطون : « أمّا الأولى فإنّها من اللّه ، وأمّا الحيوانات هنا فمن الأرباب الّذين انبثقوا عن اللّه :
وإن ما ينبثق عن اللّه لا يجوز ان يعتريه الفساد » . وهذا يعني / أنّ النّفس السّماويّة تلي الصّانع فورا ، كما هو الأمر في نفوسنا أيضا ؛ ثمّ من النّفس السّماويّة ينبعث انعكاس وكأنّه يجري من الأمور العلويّة إلى الأرض فيحدث فيها الحيوانات . وإنّ نفسا مثل تلك النّفس إذا إنّما هي نسخة للنفس السّماويّة ، لا تقوى على الإحداث لأنها تستخدم أجساما حقيرة الشّأن ، / ولأنّها في المقام الأسفل ، فضلا عن أنّ من طبع الموادّ الّتي تعمد إليها للتركيب الّا تبقى ؛ فلا غرو إن كانت الحيوانات هنا عاجزة عن البقاء ، وإن كانت الأجسام هنا لا يحكم ضبطها مثلما يحكم في السّماء ، إذا أنّ السيادة المباشرة فيها لنفس غير النّفس السّماويّة . أمّا إذا كانت السّماء كلّها باقية حتما ، / فباقية أجزاؤها أيضا ، أعني الكواكب الّتي فيها : وإلّا فكيف تبقى هي ، ولا تبقى أجزاؤها ؟ أمّا ما تحت السّماء فليس منها ؛ وإلّا لما انتهت السّماء إلى القمر . وأمّا نحن فجبلتنا من النّفس المستمدّة من الأرباب الّذين في السّماء ومن السّماء ذاتها ؛ / وبمقتضى هذه النّفس تمّ الجمع بيننا وبين أجسادنا ؛ ذلك لأنّ النّفس الأخرى ، الّتي بموجبها نحن ما نحن عليه ، فإنّها ليست علّة إنّيّتنا ، بل علّة كوننا بخير . فالواقع أنّها تأتي بعد تكوين الجسد ، وهي فينا القليل من التّعقّل الّذي يدعم إنّيّتنا .
6 فلنعد الآن إلى بحثنا فيما إذا كان في السّماء نار فقط ، وإذا كان شيء يجري منها ، وإذا كانت تحتاج إلى غذاء . إن تيماوس بادر إلى صنع جسم الكلّ من تراب ونار - من نار حتّى يكون مرئيّا ومن تراب حتّى يكون جامدا - فبدا له ، ناتجا عن ذلك ، أن يصنع كلّ كوكب من الكواكب من نار ، لا كلّه بل معظمه ، / إذ أنّ الظّاهر في الكواكب أنّها من الجوامد . ولربما
تاسوعات أفلوطين — صفحة 118
مساهمون: أفلوطين
ص١١٨