الزّمن . / أمّا العالم ، فليس يخرج عنه شيء ، وليس في حقيقة جسمه نفور من الجمع بينه وبين النّفس بحيث يكونان معا حيوانا يبقى دائما هو هو . إنّ النّار حادّة طبعا وسريعة لأنّها لا تبقى هاهنا ؛ والتّراب كذلك ، لأنّه لا يبقى في جهة فوق . فلا نعتقدنّ أنّ النّار ، إذا أصبحت حيث يجب أن تقف ، فاستقرّت بذلك وثبتت في محلّها الخاصّ / لا تحاول الكفّ عن الصّعود أو الهبوط .
ولكنها لا سبيل لها إلى أعلى ما انتهت إليه إذ أنّه لا فوق فوقها بعد ذلك ، ثمّ ليس من طبيعتها أن تتّجه إلى تحت . بقي عليها إذا أن تنقاد راضية وأن تطاوع ما ولّدت فيها النّفس من جاذبيّة فطريّة إلى الحياة الطيّبة فتجول في النّفس حيث الحسن والجمال . فلنطمئن ولا نخشيّن عليها الهبوط / : فإنّ حركة النّفس الدّوريّة تستدرك كلّ ميل ، وهي قابضة عليها ممسكة بها . وإذا لم يكن لديها من تلقاء ذاتها ما يدفع بها إلى ما تحت ، فإنّها تبقى بغير مقاومة . هذا وإنّ العناصر الّتي يقوم بها كياننا تنسبك في الصّورة دون أن تقوى بعضها على التّماسك مع بعض ، فيقتضي جهازنا عناصر أخرى غريبة عنه ، حتّى يبقى ؛ / أمّا العالم فلا يخرج شيء منه ، فليس بحاجة إلى غذاء . فإذا انطفأت نار في السّماء ، واندلعت منها ، لم يكن بدّ من إشعال نار أخرى ؛ وإذا حدث لأمر آخر أن يجري ويخرج من هنالك ، فلا بدّ أيضا من شيء غيره يحلّ محلّه . على أنّ الحيوان الكلّيّ لن يبقى هو هو على ذاته إن كان الأمر كذلك وما دام على هذه الحالة . /
4 ولكن ها هو ذا الآن موضوع ينبغي أن يعالج في ذاته ، لا على أنّه لازم لما نحن في صدده ؛ الواقع أنّه يجب أن نبحث فيما إذا كان شيء يجري فيزول من السّماء بحيث تكون الأمور السّماويّة في حاجة إلى ما يسدّ مسدّ الغذاء ، أو أنّ تلك الأمور تضبط ضبطا واحدا ، فتبقى على ما هي في حقيقتها ولا تطالب بخسران قطّ . أو تكون هناك النّار وحدها ؛ أو تكون نار بقدر راجح ، / مشفوعة بعناصر أخرى ، فيمسكها العنصر المتغلّب فتبقى معلّقة مرتفعة . فإذا ما أدخلنا في اعتبارنا الأمل الأعظم ، أعني النّفس ، مع أجسام الفلك وهي من الطّهارة على ما هي ومن الفضل بمعناه المطلق - ( فإنّ الطّبيعة في الحيوانات الأخرى أيضا ، تختار أفضل ما يكون للأعضاء الرّئيسة من ملك الحيوانات ) - كان مذهبنا في خلود / السّماء مذهبا ثابت الأسس قويّا . يقول أرسطو بحقّ : إنّ « اللهيب ضرب من الغلواء » ، وهو نار أفرطت في اضطرامها ؛ أمّا النّار في السّماء فهي متساوية وئيدة ، متساوقة مع طبع الكواكب . فكيف يفلت من النّفس ، وهي الأصل الأعظم الّذي يلي فضلا ، بإمكاناته العجيبة ، أفضل ما في الأمور ؟ - أقول : كيف يفلت منها / شيء ممّا تمّ ضبطه فيها فيصير إلى الليس ؟ والقول بأنّها ليست أشدّ من كلّ رابط ، على كون أصلها من اللّه مباشرة ، قول ذي جهل بالأصل الّذي يحفظ كلّ شيء . فمن الحماقة أن تكون قد استطاعت حفظ السّماء ردحا من الزّمن ، ثمّ ولا تقوى على أن تفعل ذلك دائما . /
تاسوعات أفلوطين — صفحة 117
مساهمون: أفلوطين
ص١١٧