تملؤه عليها . لقد اختلست الهيولى اختلاسا ما بلغها وجعلته شرّا إلى أن يستعيد قواه ويعمد إلى الارتقاء نحو أصله .
فالهيولى إذا هي سبب ضعف النّفس ورداءتها . إنّها هي الرّديئة / أوّلا وهي الشّرّ أصلا .
وإذا كانت النّفس ذاتها لتكوّن الهيولى بعد انفعالها بها ، وإذا كانت لتتّصل بها وتصبح شرّيرة بدورها ، فإنّ الهيولى بحضورها إنّما هي الّتي كانت في كلّ ذلك الأصل والسّبب . فإنّ النّفس لم تكن لتنسلك في انسياق التّكوين لو لم تتقبّل ، بسبب حضور الهيولى ، التّكوين ذاته في ذاتها .
15 وربّ قائل يقول : ليست الهيولى عينا من الأعيان . حينئذ لا بدّ من الرّجوع إلى أقوالنا في الهيولى عن ضرورة إثبات قوام لذاتها ؛ وقد قيل هناك في الأمر أشياء كثيرة . وإذا قال قائل إنّه ليس في الأعيان شرّ قطّ ، تحتّم عليه أن ينفي الخير أيضا ، ويسقط من عالم الأشياء كلّ غاية يهدف إليها . / ومن ثمّ فلا رغبة أيضا ولا نفور ولا عرفان . فالرّغبة رغبة في الخير ، والنّفور نفور من الشّرّ ، والعرفان فطانة تتناول الخير والشّرّ معا ، وهي خير أيضا . فلا بدّ إذا من وجود خير ولا بدّ من أن يكون خالصا لا تشوبه شائبة ، ثم يليه ما هو مزيج من شرّ وخير . ومهما ازداد جانب الشّرّ في هذا المزيج ، صار هو أقرب إلى ما ينطوي عليه الشّرّ الكامل ؛ ومهما قلّ فيه جانب الشّرّ ، وبقدر ما يقلّ ، مال إلى الخير . فما عسى أن يكون / الشّرّ إذا عند النّفس ؟ أو ما عساه أن يكون عند نفس لم تتّصل بفطرة دون فطراتها ؟ عند ذلك لا وجود لشهوة ولا ألم يقابلها ، ولا غضب ولا خوف قطّ . فالخوف خوف على المركّب أن يتلف ، والألم والوجع عند إتلافه .
أمّا الشّهوة ففي مقابل ما يحدث اضطرابا في مزاج المركّب ، أو في مقابل ما يدبّر له علاجا حتّى لا يضطرب . / أمّا الأوهام والخيالات فصدمة من الخارج تصيب النّفس في جانبها الأصمّ ، وهي تتلقّى هذه الصّدمة بما كان منها غير قابل للتقسيم . ثمّ إنّ الآراء الكاذبة تنتهي إلى النّفس إذا خرجت عن حقيقة ذاتها ؛ وإنّها لتفعل ذلك / إذ تكون غير طاهرة . أمّا الرّغبة الّتي توجّه النّفس نحو الرّوح أمر آخر واجب النّفس أن تجتمع به وحده ، وأن تتوطّد فيه ، فلا تميل بعد ذلك إلى ما هو الدّون . أمّا الشّرّ فلا يكون شرّا قائما وحده على حاله ، بفضل قوّة الخير وحقيقته . فإنّه إن يظهر حتما ، فموثقا بحبال الحسن / - كالأسير مكبّلا بالذّهب - يحجب بها حتّى لا يبدو للأرباب بما هو عليه في ذاته ، وحتّى يسع الناس الّا يشاهدوه دائما وهو كذلك ، بل كلّما شاهدوه باشروا فيه آثار الحسن فيتذكّرون .
تاسوعات أفلوطين — صفحة 108
مساهمون: أفلوطين
ص١٠٨