تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
في تجريد هذه الأشياء أن تكون مفردة بعضها عن بعض . ولما كان الطريق الصناعي ان يكون السلوك فيها على ترتيب ، وكان الترتيب على ضربين : أحدهما ان يقدّم أولا الاخر بان يكون معقولا والاخر ان يقدّم أولا الأقرب إلى أن يكون محسوسا ، والأقرب إلى أن يكون محسوسا هو الجسم ثم البسيط ثم الخط ، وابعدها النقطة . واما الأقرب ( س 109 پ ) إلى أن يكون معقولا ، وهو الذي يعقل أو يحرزه العقل باجزاء أول من اجزاء الحدود . وكل ما عقل باجزاء أقل كان أقرب إلى أن يكون معقولا إلى أن ينتهى إلى ما يعقل لا باجزاء ينقسم إليها جوهره . فذلك صار الترتيب بحسب المعقول هاهنا ان تقدم النقطة ثم الخط ثم البسيط ثم الجسم . فاما إذا التمس التعليم ، فانا لما كنا في أول الأمر أسر العا ( ؟ ) لما هو محسوس ، صرنا نستعمل أولا الترتيب الذي هو بحسب المحسوس . والصناعة نفسها استعمل الترتيب بحسب المعقول ، فلذلك ينبغي ان يلقوه بالمتعلم من الجسم المحسوس ، ثم يفهم معنى الجسم مفردا دون المحسوسات المفترقة ثم البسيط ثم الخط ثم النقطة . ومع ذلك فانّه يظنّ ان العقل انما يدرك في أول امره من المحسوسات على جهة التحليل إلى أن صار إلى النقطة . ثم التمس بغير ذلك الترتيب العقلي وهو الترتيب الذي في فحص طبيعته . فالجسم الممتدّ إلى كل جهة ، وهذا من امر الجسم . وقوم أصحاب العلم الطبيعي يرون ان هاهنا جوهرا ، فليس له في ذاته اجزاء ولا جزء جوهره امتداد . وهو موضوع يعرض له امتداد ، وكان حاملا للامتداد ، والاضداد عارض فيه ، لان الامتداد هو ذاته وجوهره . كما أن البياض عارض في الأسنان وعارض في الثلج من غير أن يكون البياض هو ذات الثلج وجوهره ، فلذلك يقال في الجسم انه أو امتداد . كما يقال في الثلج انه ذو بياض ، ويرون ان الجسم هو ذلك الجوهر المقترن بالامتداد العارض فيه ، وهو الجوهر الذي عرض له الامتداد إلى الجهات كلها العارض لذلك الموضوع ؛ فلذلك متى اخّروا الموضوع مقترنا بالامتداد إلى الجهات ، سمّوا ذلك الموضوع الجوهر المجسم