تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
والجنس يحمل على متأخرات كثيرة هو سبب من أسباب وجودها . وقد ذكر أبو نصر في تاليف أصناف البراهين ان هذه كلها تنتج الوجود . ومثال الغاية ان نفرض الجلوس مثلا على شئ يصنع ليجلس عليه . مثل قولنا : كل منسوج من حلفاء ومن دبيق ( ؟ ) فهو حصير ، وكل حصير يجلس عليه . وهذا عام في كل سبب عام يوجد عنه وحده متأخرات . فإنه لا يلزم عن كل واحد من متاخراته متى اخذت في موضوع . وهذا الصنفان من لزوم المتقدم بالمتأخر يتصرف في براهين الوجود . واما متى كان الأمور بالعكس ، وهو ان يكون متأخر واحد يلزم عن مقدمات كثيرة على انفرادها ، فهذا لا يتبين فيه المتقدم بالمتأخر ، لان المتأخر لا يلزم عن متقدم واحد . فمتى وضعنا متأخرا واحدا ، لم يعلم عن متقدم لزم لكن متى وضعنا متقدما واحدا من المتقدمات ، لزم عنه ذلك المتأخر . وهذا يلزم فيه المتأخر للمتقدم ، ولا يلزم فيه المتقدم للمتأخر . وهذا كثير ، ويتبين فيه المتأخر بالمتقدم وهذا كثير التغليط متى تبين المتقدم فيه بالمتأخر . ومثال ذلك الحرارة الغريزية العامة الموجودة في بدن الانسان ، فان أسبابها أنواع الحميات . مثال ذلك ان هذا بدن فيه حرارة عامة ظاهرة جدا . فان قلنا إنه فيه تعفن صفراء أو تعفّن سائر الاخلاط ، أخطأنا . وأبين ما يكون الخطاء ، إذا وقع الاشكال وجهل العموم . مثل ان نقول هذا بدن فيه حرارة ظاهرة في جميعه تأخذه كل يوم ، وكل حرارة تكون صفتها هذه الصفة فهي عن تعفّن بلغم . فينتج ان هذا البدن فيه تعفّن بلغم . لان هذا المتأخر هي الحرارة الاخذة كل يوم ، يلزم عن أشياء كثيرة ، فإنه يلزم عن تعفّن الصفراء وعن تعفّن السوداء وعن تعفّن البلغم . وكذلك الأوجاع الأخرى في اى عضو كان هي متأخرات عن أشياء كثيرة . وهذا كثير في الطب ، وكذلك هو في الأمور الجارية بين الناس مثل البكر . واما متى كان المتقدم يوجد عنه متأخر ما وقد لا يوجد ، وكان ذلك المتاخّر يوجد عن متقدمات ؛ فهذا لا يلزم الواحد منهما الاخر ، لا المتأخر منهما المتقدم ، لا المتقدم المتأخر . مثل قولنا : هذا وجع به في بطنه ، ففي بطنه برد ؛ وهذا يجد بردا في
المنطقيات للفارابي — صفحة 373 | أبو نصر الفارابي