اعتقاده إياه بحال ، إذا ورد عليه وارد من خارج ألزمه نقيضه ، كان عنده أنه لا يمكن عند وارد ورد متى ورد ، وذلك إلى غير نهاية .
فاليقين على ما قيل في « كتاب البرهان » « هو أن يعتقد في الصادق الذي وقع التصديق به » إلى قوله : « وذلك إلى غير نهاية » . وتلك التصديقات فقد يمكن بأيسر تأمل أن تستوضح بتلك الحدود التي قيلت عليها ، مما قلنا . كل علم مستفاد فهو عن وارد من خارج . كل تصديق فلا يقع الا في قضية . كل قضية لم يقع بها تصديق فان نقيضهما منوط بها . التصديق فعل يفعله وارد من خارج المطلوب ، والشئ لا يفعل ضد التصديق هنا انفعال وليس فعلا .
التصديق ثلاثة أصناف : يقين ، وظنّ مقارب لليقين وسكون النفس على أصنافه . وكل صنف من أصناف المقاييس التي تفيد نحوا من التصديق ، فإنها يفيد أحد هذه الأجناس الثلاثة . والذي يفيد أحدها ، فليس يمكن أن يفيد الباقيين ، ولا واحدا منهما ، ويتلو هذا متصلا به . وصرف أبو نصر في اعطاء التصديق إلى قوله :
« وهو المرتّب بعد الحكم أنه لا يمكن غيره وذلك إلى غير نهاية » ] .
[ ثم قال ] وقوله : « التصور التام » هو تصوّر الشئ [ بما يلخص ذاته بنحو يخصّه ] ، قد يقول قائل انه يبيّن الشئ بنفسه .
والجواب انه انما قصد ليعطى التصور التام من حيث هو تام ، فذكر أولا في تبيينه ما هو كالجنس ، كما أنه أراد أن يبيّن ما الحيوان الضحّاك ، واتفق أن لم يكن الانسان ولا غيره من الالفاظ اسما له ، لقلنا فيه انه الحيوان الناطق ، فكرّرنا جنسه .
وقال : « بما يلحق ذاته » فإن كان ما يلحق ذاته شيئا خارجا عن ذاته ، فهو عارض لنا بعد تصوّرنا الشئ ، بحسب هذا القول بعرضه ، وهو لا يريد أن نتصوّر [ هاهنا ] الا بذاته فالذي يقال : ان الذات قد يعنى بها جملة جنس الشئ ، وقد يعنى بها الشئ من حيث هو مأخوذ بأجزائه . وهذا الاخذ هو للامر من حيث هو في العقل . وهذا الاخذ هو الذي قال فيه « بما يلحق ذاته » . وبيّن أنه لاحق لا يحدث في الشئ تصوّرا بما هو خارج عنه . وبهذا الاخذ نتعرف دلالة الحدّ من دلالة الاسم ، فان
المنطقيات للفارابي — صفحة 299
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٩٩