أن نعرف الموضوع كذلك . وليس الامر في نفسه كما يلزمه القول .
فبيان هذا أن الأبيض ليس هو اسما للنسبة الا على العموم . فان الأبيض يقال على الحائط ، وعلى الثوب ، وعلى الانسان . فلو كان للبياض الذي في الثوب اسم من حيث لحق الثوب ؛ لكنا ، إذا عرفتا الأبيض ، عرفنا الموضوع . فلما كان الأبيض وسائرها أسماء تدل على أجناس تلك النسبة أو أنواعها ، لم يعرف الثاني بمعرفة [ ك 197 ر ] الأول .
ومثل هذا يعرض في الأب . فإذا عرفنا أن زيدا أب ، ولم نعلم ابنه ؛ فانا لم نعلم الأب بشخص الإضافة التي له ، بل بنوعها .
فمعنى التحصيل إذا انما هو معرفة شخص تلك الإضافة باسمها من حيث لها شخص منه الإضافة ، أو نوعها من حيث لها نوع تلك الإضافة .
ثم يبين بهذا أن الضارب وسواه [ س 49 ر ] لم يدل من الموضوع الا على نسبة لحقته على العموم . فان الأبيض قد يمكن أن يكون في الجوهر ، وفي مقولة الكم .
ولما أعطانا في كتاب المقولات مبادئ الفكر ، وعرفنا بها وبأحوالها ؛ فقد قصد في هذا الكتاب إلى أن يعرفنا كيف نفكر بها . ولما كانت الفكرة بها لا تكون الا بقضايا ، وكانت القضايا أقوالا ، وكانت الأقوال مركبة من ألفاظ ؛ وجب أن يتكلم أولا في الالفاظ المفردة ، فعرفنا ما هي ، وكم أجناسها ، وأعطى في كل واحد منها ما يتميز به من جهة الدلالة ، ثم إنه ذكر الأحوال التي تلحقها من الميل والاستقامة وغير ذلك .
فكلامه إذا في الالفاظ المفردة بالنحو المذكور الأول راجع إلى أول الفصل الخامس . وكذلك كلامه في الأقاويل المركبة من حيث هي مركبة . هذا ما يأخذه هذا الكتاب من الفصل الخامس ، ويرجع منه إلى الأول قوله في المشتركة وسائر تلك . وكذلك ينظر أيضا في هذا الكتاب فيما بالذات من المحمولات وما بالعرض .
هذا جميع ما يرجع اليه هذا الكتاب من الفصول .
المنطقيات للفارابي — صفحة 171
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٧١