فالأول لما كان معرفا لجوهر الشئ وذاته فقط ، سمّى هذا جوهرا كليا باطلاق . ولما كان الضرب الثاني يعرف من موضوع ما ذاته وجوهره ومن موضوع آخر شيئا آخر خارجا عن ذاته ، كان جوهرا لذلك الذي يعرف ذاته وجوهره وعرضا للموضوع الاخر ، فلم يكن جوهرا باطلاق ، بل كان جوهرا بإضافة ، ويسمّى عرضا كليا باطلاق ، إذ هو خاص به ، دون ما سمّى جوهرا كليا باطلاق .
مثال الكلى الذي هو جوهر كلى باطلاق قولنا : حيوان . فإنك لا تجد المعنى المفهوم منه يعرف من كل ما يقال عليه من انسان وحيوان وفرس الا ذاته وجوهره ، ولا يعرف من موضوع أصلا شيئا خارجا عن ذاته .
ومثال الكلى الذي هو عرض كلى باطلاق قولنا : حمّى ، فانّها تعرف من حمى الورد أو الغير ( ؟ ) ذات الحمى الورد ، وجوهرها على العموم ، فإنها حرارة بصفة كذا . هذا إذا أخذنا الحمى في موضوعها الذي توجد فيه تعرف ذاته وجوهره . فان اخذناها في الموضوع الآخر الذي توجد أيضا فيه وهو الانسان ، عرفت من الانسان شيئا خارجا عن ذاته . ولما اخذ بأمرين موضوعين لها ؛ سمّى أحد الموضوعين الذي هو جوهر له باسمها حمّى ، وسمّى الاخر باسم مشتق من اسمها ، فصل فيه مجموع عموما بالغرض الذي يسمّى حمّى ، قد عرف من حمّى الورد ذاتها وجوهرها ، وعرف من الانسان شيئا خارجا عن ذاته وهو جوهره بالإضافة إلى حمّى الورد ، وعرض بالإضافة إلى الانسان .
فقد بيّن ان الكليات ضربان ، ولا بد لكل كلّى من شخص يسند اليه في الوجود خارج الذهن . فالاشخاص ضربان : شخص عرض وشخص جوهر .
فشخص الجوهر لا يمكن ان يحصل في النفس من جهة ما هو شخص جوهرا ، إذ لا يفارق بما هو شخص وجود خارج النفس ، فلا يحصل كما هو في النفس .
المنطقيات للفارابي — صفحة 129
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٢٩