يمكن ان يعلم الشئ علما يخصّه ويجهل مع ذلك الجهل الذي يعمّه وغيره ، اعني انه لا يكون معه علم يعمّه وغيره . وذلك ان معرفة النجّاران هذا المثلث الذي من حيث ضلعاه أطول من الثالث ، إذا قدر أضلاعه بالخط ، فان علمه يفصّل ضلعيه مجموعين ، هو علم يخصّه ، ويجعل مع ذلك ان كلّ مثلث فهذا سبيله ، فهو يجهله جهلا يعمّه وغيره من المثلثات .
فان هذا الجهل الذي جهله منه هو جهل يخصّ هذا المثلث من حيث الذي قدّر أضلاعه بالخط ، بل يجهل هذا بعينه من مثلّثات النّحاس ومن المثلّثات التي في الأرض .
فهذا هو الذي يقول فيه ثامسطيوس : لو أن انسانا اكل خشنا فارطب جسمه ، فظن أن هذا الخشن وحده هو الرطب ؛ لكان له به علم خاص ، وجهل عام . وعلى هذا المثال قد يعلم الشئ علما عامّا ، ويجهل جهلا خاصّا . وذلك أيضا بيّن .
فمن عرف الشئ وجهله معا على كل واحد من هذين الوجهين ، فلم يجمع الاضداد .
فقوله : وجهله هكذا ، يريد من عرف الشئ وجهله بأحد هذين الوجهين .
وكذلك القول الّذي في مانن ان التعليم تذكّر ، لأنه ليس يعرض بجهته من الجهات ان يتقدم المعرفة بالجزئيات ، ولكن نعرفها بالحسّ ، كانّا عالمون بها قبل ذلك . لانّا إذا علمنا أن هذا الشئ مثلّث ، فقد علمنا أن زواياه مساوية لزاويتين .
وكذلك يعرض في ساير الأشياء . فهو بيّن انا بالعلم العامي ( 456 ملى ) نعرف الجزئيات ، واما بالعلم الجزئي فلا نعرفها .
لما بيّن كيف يجوز ان يجهل الشئ ويعلم معا ، وكانت الانحاء التي بها يجهل الشئ ويعلم معا على ما سنبين في هذا الفصل ثلاثة انحاء ، والذي ذكر منها إلى الان نحوان ، وكان في جملة هذين النحوين مما ينحل به الشك المنسوب إلى مانن في التعليم والتعلم ، وهو الشك الذي يذكره في أول المقالة الأولى من كتاب البرهان ؛ اتبع ما شرحه من امر الشئ الذي يجهل ويعلم معا بقول ذكر فيه وجه
المنطقيات للفارابي — صفحة 473
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٧٣