قد علم الشئ ثم ينخدع عنه ، حتى يكون الظن المضاد للعلم أغلب عليه من علمه الموجود فيه . لكن انما يتبيّن انه إذا حدثت خدعة في الانسان عن شئ قد علمه ببرهان كيف يكون تاليف ذلك البرهان ، وتاليف الذي أوقع له خدعة ، وباي حال يكون الشيئان اللذان فعلا هذين المتضادين ، حتّى لا يمكن اجتماعها في انسان واحد . بل إذا وجد فيه أحدهما ، لم يمكن ان يوجد فيه الاخر . وباي حال يكون كل واحد منهما من الاخر ، متى يمكن ان يجتمعا في انسان واحد واى شئ يعرض للبرهان ، حتّى يكون الظن المضاد للعلم الكائن عن البرهان اسبق إلى الانسان من العلم البرهاني الموجود له في ذلك الوقت . فهذا غرضه في هذا الفصل .
وقوله : وكما قد تعرض الخدعة في وضع الحدود ، كذلك أيضا تعرض في الظن ، ( ب 286 ) يعنى كما أن الانسان يلحقه الخدعة في وضع حدود القياس ، حتى يظن بما هو قياس انه ليس بقياس ؛ كذلك أيضا ( 434 ملى ) تلحقه الخدعة في ظنّه المضاد لعلمه . حتى يكون فيما علمه انه بحال ما انه تغيّر تلك الحال . ووضع الحدود يحتمل ان يكون أراد به أوضاع حدود القياس وترتيبها ، على النحو الذي يذكره في الفصل الثالث من المقالة الأولى . فإنه ذكر هناك ترتيبات للحدود وأوضاع يغلط الانسان ، فتخيل له فيما ليس بقياس انه قياس ، وفيما هو قياس انه ليس بقياس . فأخبر انه كما أن هاهنا ترتيبات وأوضاع لحدود القياس يحيلها على غير ما هي به ، كذلك هاهنا أشياء يوقع في الظن ان الذي علمه ليس كما علمه .
ويحتمل ان يكون أراد بوضع الحدود ترتيباته التي ذكرها في الفصل الذي قبل هذا الفصل ، وهو الترتيب والوضع الذي أوصى السّائل باستعماله مع المجيب .
ويكون انما عرف انخداع الانسان فيما علم ، حتّى يكون الظن المضاد للعلم اسبق اليه بالخدعة التي تعرض في القياس من ترتيب حدوده . لأنه لم يتقدّم من معرفة ما يغلط الانسان غير الأشياء المغلّطة عن القياس والمخيّلة له على غير ما هي عليه .
ويحتمل ان يكون أراد انه كما يلحق الانسان الخدعة من أن يكون وضع الحدود على غير التاليف القياسي ، كذلك أيضا قد يلحق الخدعة ، وان كان تاليف القول
المنطقيات للفارابي — صفحة 454
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٥٤