وكأنه قال : ان الالفاظ دالة على المعقولات دلالة بلا واسطة . وقال : الآثار التي في النفس ، ولم يقل : المعقولات ، لأنه أراد ان يجمع كل ما يحصل في النفس بعد غيبة المحسوسات عن الحسّ . فان النفس تحصل فيها معقولات وخيالات المحسوسات ، كما أحسّت مثل خيال زيد في الحس وأشياء اخر تخترعها النفس بتركيب الخيالات بعضها إلى بعض ، مثل عنزايّل واشباهه . فأراد ان يجمع هذه كلها ، فسماها الآثار التي في النفس .
وقوله : ما يكتب دال على ما يخرج بالصوت ، يعنى به الخطوط . وينبغي أيضا ان تزيد في قراءتك قولك : دال ، أولا على ما يخرج بالصوت ، ثم تزيد من عند نفسك ان ما يخرج بالصوت دال على على محسوسات المعقولات ثانيا ، يعنى به بتوسط المعقولات ، وما يكتب دال ثانيا على الآثار التي في النفس ، والآثار التي في النفس مثالات للمعاني الموجودة خارج النفس . ( 6 پ ) والمفسرون يزعمون أن المعقولات التي في النفس دالة على الموجودات التي خارج النفس ، ثم يقولون : ان الموجودات خارج النفس هي مدلول عليها ، والالفاظ غير دالة عليها ، والخطوط دالة غير مدلول عليها ، والالفاظ والمعقولات كل واحدة منها دالة ومدلول عليها .
وأرسطوطاليس لم يذكرها هنا [ مج 8 ] نسبة المعقولات إلى الموجودات من خارج النفس . والمعقولات التي قالوا إنها دالة ، فبيّن انها دالة ، فبيّن ان دلالتها على المحسوسات ليست على مثال دلالة الالفاظ على المعقولات ، بل إن كانت دالة ، فإنما هي معرفة ما هو المحسوس ، أو غير ذلك من انحاء التعريف . واما الالفاظ ، فإنها دالة على أنها علامات مشتركة ، إذا سمعت خطر ببال الانسان بالفعل الشئ الذي جعل اللفظ علامة له ، وليس لها من الدلالة أكثر من ذلك . وذلك شبيه بساير العلامات التي يجعلها الانسان لتذكره ما يحتاج إلى أن يذكره . فليس معنى دلالة الالفاظ شيئا أكثر من ذلك . وكذلك الخطوط ليس دلالتها على اللفظ أكثر من ذلك .
وتعريف المعقولات التي من خارج ليس هو هذه الدلالة ، فليس ينبغي ان يقرن إلى
المنطقيات للفارابي — صفحة 10
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٠