فالجسم المتغذى الحسّاس هو الحيوان ، [ ب 20 ر ] والحيوان منه ناطق ومنه غير ناطق . فالحيوان الناطق هو الانسان ، والحيوان غير الناطق تحته باقي أنواع الحيوان ، مثل الفرس والثور والحمار وغيرها . والجسم المتغذى غير الحسّاس تحته أنواع النبات ، والجسم غير المتغذى يدخل تحته السماء والكواكب والماء والنار والحجارة وسائر ما أشبهها .
واشخاص هذه هي أشخاص الجوهر ، وأجناسها وأنواعها كليّات الجوهر .
وأشخاص الجوهر هي التي يقال انّها جواهر أول ، وكليّاتها جواهر ثوان ، لأن أشخاصها أولى أن تكون جواهر ، إذ كانت أكمل وجودا من كليّاتها ، من قبل أنّها أحرى أن تكون مكتفية بأنفسها في أن تكون موجودة ، وأحرى أن تكون غير مفتقرة في وجودها إلى شئ آخر ، إذ كانت غير محتاجة في قوامها إلى موضوع أصلا ، لأنّها ليست في موضوع ولا على موضوع .
وأمّا كلّيّاتها فانّها بما هي كليّات تحتاج في قوامها إلى أشخاص الجوهر ، إذ كانت تقال على موضوعات ، وكانت موضوعاتها أشخاص الجوهر ، الا أن حاجتها إلى موضوعاتها لا يخرجها عن أن تكون جواهر ، إذ كانت انما تقال على موضوعاتها ، لا انّها في موضوعاتها . والتي تقال على موضوعات تعرّف ماهيّات تلك الموضوعات ، وبمعرفتها تحصل معرفة ماهيّات تلك الموضوعات ، والشئ انما يصير معقولا بأن تعرف ماهيّته .
وأشخاص الجوهر انما تصير معقولة بان يعقل كليّاتها . والمعقولات منها انما صارت موجودة بوجود أشخاصها ، وأشخاص الجوهر إذا تحتاج في أن تكون معقولة إلى كلّيّاتها ، [ ب 20 پ ] وكلّيّاتها تحتاج في أن تكون موجودة إلى أشخاصها ، إذ لو لم توجد أشخاصها لكان ما يتوهّم منها في النفس مخترعا كاذبا ، وما هو كاذب فغير موجود .
فالكليّات إذا انما صارت موجودة بأشخاصها ، وأشخاصها معقولة بكليّاتها .
فلذلك صارت كليّاتها أيضا جواهر ، إذ كانت معقولات الجواهر التي هي بيّنة أنّها
المنطقيات للفارابي — صفحة 43
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٤٣