والسوفسطائية صناعة يحصل بها للانسان القدرة على أن يعمل من مقدمات مشهورة في الظاهر قياسا في الحقيقة أو من مشهورة في الحقيقة ما هو في الظن قياس ، أو مما هي في ظاهر الظن مشهورة قولا في الظاهر الظن قياس ، يلتمس به ابطال كلّ ما يتضمّن المجيب حفظه ، وعلى حفظ كلّهما يتضمن السائل ابطاله .
والقياس العلمي وهو البرهان ، هو القياس المؤلف من مقدمات صادقة كليّة يقينيّة أول ، أو من مقدمات حصل علمها عن مقدّمات صادقة كلية يقينية .
والعلوم الفلسفية ، وهي اليقينيّة ، هي التي يستعمل ابدا في بيان مطلوباتها كلها القياسات العلمية التي ذكرناها .
والطريق المختلط الذي ذكرناه هو الذي كان طريق المتفلسفين في القديم ، إلى أن تميّزت الطرق الثّلاثة بعضها عن بعض ، فانقسمت إلى علميّة وجدلية وسوفسطائية ، وحصلت الطرق العلميّة ، فصارت الصناعة [ ب 197 ر ] العلمية هي الغاية المقصودة ، وصارت الصناعة الجدليّة ارتياضا وتوطئة لها ، وآلة وخادمة للصناعة العلميّة ، وبقيت السوفسطائية محاكية للجدل ، ومشبهة لها ، ومظنونة انّها هي الجدل ، وربما أوهمت انّها هي الفلسفة . وموضوعات الصنائع الثلث واحدة ، ومطلوباتها أشياء واحدة ، ومطلوباتها أشياء واحدة بأعيانها ، وتختلف في الاغراض القصوى ، وفي المبادى .
فالفلسفة غرضها الأقصى هي السعادة القصوى . والجدل فغرضه الأقصى منه ان يحصل للانسان القوّة على الفحص وتوطئة ذهنه نحو الفلسفة واعداد مباديها ومطلوباتها .
وبالجملة فان غاية صناعة الجدل ارفاد صناعة الفلسفة وخدمتها .
والسوفسطائية فغرضها الأقصى ان يوهم في الانسان العلم والحكمة وطلب السعادة القصوى . وضمير من يوهم ذلك وسرائره وغرضه في باطن نفسه ان يحصل له مال أو كرامة أو مدح أو شئ غير ذلك من الخيرات الجاهليّة ، وتختلف أيضا
المنطقيات للفارابي — صفحة 372
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٧٢