تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
والرأي الذي نتّكل عليه في المعقولات ، ربما كان رأى انسان واحد فقط ، أو طائفة فقط ، وهو الرأي المقبول ، وربما كان رأى جميع الناس وهو الرأي المشهور ، وبالجملة فان المقدمات المشهورة التي هي مبادى صناعة الجدل هي التي موضوعاتها معان كلية مهملة ، وهي كلية يوثق بها ، وتقبل ويعتقد فيها انّها كذلك ، وتستعمل من غير أن يعلم منها شئ آخر أكثر من ذلك . والمقدمات اليقينيّة هي مبادى [ ح 86 ر ] العلوم النظرية هي المقدمات الكلية المطابقة للأمور الموجودة التي نقبلها ونصدق بها ، ويستعملها كل واحد منا من جهة يقين نفسه بمطابقتها للأمور ، من غير أن يتّكل أحد منا على شهادة غيره له ، ومن غير أن يستند فيها إلى ما يراه غيره ، ولا يبالي كان رأى غيره فيها مثل رايه أولا . فإذا اتفق فيها ان كان رأى الجميع فيها رأيا واحدا يشهدون بصحتها ؛ لم يزدنا ذلك ثقة بها ، ولا أيضا يصير يقيننا بها اشدّ ولا أيضا يكون قبولنا لها ، ولا استعمالنا ايّاها من جهة ان الجميع رأوا فيها رأيا واحدا ، ولا انهم شهدوا بصحة ذلك الرأي ، بل ببصاير [ ب 191 ر ] أنفسنا . وامّا المشهورات ، فانّما يقبلها كلّ واحد منّا لأجل ان رأى جميع من سوانا فيها رأى واحد فانّهم ، يشهدون جميعا انّها كذا ، وان اتّفق فيها أو في كثير منها ان كانت مطابقة للأمور ، وتيقّنّا انّها كذلك بعلم أنفسنا ، فلسنا نقبلها ، ولا نستعملها في صناعة الجدل من جهة علمنا ويقيننا بمطابقتها الأمور وصدقها أو شهرتها . انما يلزم ان تتركب كلّ قضية منها في نفوسنا على كيفية وكميّة ما ، لا أكثر من ذلك ، ثمّ نحكم نحن ان وجوده خارج النفس على الكميّة والكيفيّة التي نصادفها عليها في النفس ، من غير أن يكون شهرتها هي التي أفادت والزمت بذاتها وأولا حالها خارج النفس . وامّا المعلومة اليقينية فان العلم واليقين في كلّ قضيّة يفيد ، ويلزم الامرين جميعا ضرورة ، وهو انه يلزم ان تتركب في نفوسنا على كميّة وكيفية ، ويلزم ان وجودها خارج النفس على تلك الكمية والكيفية بعينها ، وليست تتركب في النفس قضية الاعلى الكمية والكيفية التي لها خارج النفس . فالمعلومة صادقة من حيث هي