التي موضوعاتها اشخاص تدرس أولا فأولا وعلى طول الزمان ، أو تغيب فلا يدرى كيف حالها بعد غيبتها على الحواس ، وبعد ذلك فانّه ليس ابدا يتفق ان يكون المحسوسات عند الجميع واحدة بأعيانها في العدد .
والمقدمات المشهورة عند الجميع ينبغي ان يكون المفهوم منها معنى واحدا بعينه في العدد عند [ ب 190 ر ] الجميع ، وتقبل هذه المقدمات والآراء ، وتستعمل من غير أن تمتحن وتسبر ويعلم هل هي مطابقة للأمور الموجودة أو غير مطابقة لها ، بل يقبل على انّها آراء فقط ، من غير أن يعلم منها شئ أكثر من أن جميع الناس يرون فيها انها كذلك ، أو ليست كذا . كما أن ما يخبره الثقة عندنا من امر رآه نقبله ونعمل فيه على انّه بالحال التي اخبر بها ، من غير أن نكون نحن شاهدناه تبلك الحال . وكما انّا تقبل آراء قوم نحسن الظن بهم ونثق بافهامهم وآرائهم غاية الثقة ، من غير أن يكون قد علمنا ذلك من الجهة التي ذكرو لهم انّهم عرفوه منها .
وكلما كان المخبرون لنا أو الذين يرون ذلك أكثر عدد ، كانت ثقتنا بهم اتمّ ، وسكون أنفسنا فيما يخبرون به من مشاهداتهم وآرائهم أكثر ، وقبولا لنا أشد . ويزداد سكون أنفسنا إليها ، وتصديقنا لها وقبولنا إياها ، على قدر زيادة عدد المخبرين عن أنفسهم بما شاهدوه من الأمور ، واعتقدوا من الآراء ثم يكون نهاية ثقتنا بالرأي من جهة ما هو رأى أن يكون رأى جميع الناس .
وكما أن في المحسوسات أشياء نحسّها نحن كما يحسّها غيرنا ، وأشياء نتّكل فيها على ما احسّه غيرنا فيها ، ونجتزى بما أخبروها به من غير أن نكون قد شاهدنا ذلك ، وأحسسناه ، فنستعلمها على مثال ما نستعمل ما نحسّه ونشاهده نحن ؛ كذلك يشبه ان يكون في المعقولات أشياء نعلمها نحن بأنفسنا ونقبلها ببصايرنا ونصدّق بها من جهة علمنا ؛ [ ب 190 پ ] بأنفسنا ، وأشياء نتكل فيها على ما علمه غيرنا منها ورآه فيها ونجتزئ بذلك ، ونستعملها على مثال ما نستعمل الأشياء التي علمناها نحن ، ونعمل على أن الحال فيها هو على ما أخبرنا انّه رآه فيها ، وعلمه منها ، من غير أن نعلم منها نحن شيئا أكثر من ذلك .
المنطقيات للفارابي — صفحة 362
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٦٢