( 20 ) وأما التي تخص الصناعة ، فانّها استعمل لمحبة صاحب الصناعة . فان انقاد لها وشككته تلك في شئ مما في الصناعة ، تبيّن له ولغيره انّه لم يكن له ذلك الشئ يقينا .
( 21 ) وأكثر ذلك إذا شككته الأشياء التي هي عرضية في الصناعة ، فان الانسان عند كلّ واحد من الامرين ليس يكون معه يقين في ذلك الشئ ، وان ظنّ انّه يقين ، وينبغي أن يكون قد نقصه من شرائط اليقين شئ ، وأغفله . وذلك انّه قد بيّن في كتاب البرهان أن الرأي لا يمكن أن يحصل في صفة تلك الشرائط التي هي شرائط اليقين ، دون أن يكون قد حصل له اليقين بتلك الشرائط في كذب مقابله في ذلك الرأي ، وكذب مقابلات المقدمات التي ينتج مقابلات ذلك الرأي . وإذا كان ذلك كذلك ، فأي شئ يبقى ممّا يغالط به ؛ فان المغالطات التي تخص الصناعة يمكن احصاءها ، وتحصل للانسان بحصول الصناعة اليقينية . وهذا كلّه بيّن في كتاب أرسطوطاليس في البرهان .
( 22 ) وعناد اليقين غير ممكن أصلا ، لان اليقين بصدق القضيّة لا يمكن أن يحصل ، دون اليقين بكذب مقابلها ، ويلزم عن اليقين بصدق القضيّة اليقين بكذب مقابلها .
فلانّه إذا أمكن عندنا صدق المقابل ، أمكن أن يكذب القضية .
( 23 ) والقضايا التي يحصل اليقين فيها في الصنائع اليقينية ، منها المعقولات الأول التي هي مبادى تلك الصناعة ، ومنها نتائج كائنة عن تلك المبادى . والتي هي مبادى في صناعة يقينية محدودة العدد محصاة معلومة كم هي فإنما يمكن أن يعاند ما بعدها من النتائج الكائنة عن المبادى ، امّا بمقابلات تلك المبادى ومقابلات نتائج كائنة عن تلك المبادى . واليقين بالمبادئ لا يحصل دون أن يحصل اليقين بكذب مقابلاتها .
( 24 ) فإذا كانت المقدمات المأخوذة في العناد مقابلات المبادى ، فليست ترد على الانسان الأعرف كذبها من ساعته ، فلا ينقاد لذلك العناد . وكذلك ان كانت التي يوجد في العناد مقابلات نتائج كائنة عن المبادى ، وكان قد علم تلك النتائج ، ووقف على براهينها . فانّه ليس يكون قد تيقنها إلا وقد تيقن بكذب مقابلاتها . وكما يرد عليه يقف على كذبها من ساعته ، فيتلقاها بالبراهين المنتجة لتلك النتائج ، فيعاندها بها فيبطل .
المنطقيات للفارابي — صفحة 355
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٣٥٥