تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنطقيات للفارابي — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦

الفصل الأول في صدر الكتاب

وإذ قلنا في الأشياء التي بها نصل في الجملة إلى كل مطلوب نقصد تعرفه ، وفي التي تزيل ذهن المتأمل عما قصد معرفته وتغلطه ؛ فلنقل الان في الأمور الخاصة ، التي بها يحصل صنف صنف في أصناف المعارف . والمعارف صنفان تصور وتصديق ، وكل واحد في هذين اما أتم وامّا انقض . وقد لخّص فيما تقدم امر ما نصل به إلى كل واحد في هذين الصنفين على الاطلاق . ولمّا كانت الأمور التي بها تحصل لنا المعارف التامة غير التي تحصل بها المعارف التي هي انقص ، وكانت الأقاويل التي يلخّص بها امر هذه على الاطلاق غير كافية في الوقوف على ما يخص الأتم ، وما يخص الأنقص ؛ رأينا ان نردف ما سلف بتخليص ما يخص المعارف التامة والمعارف التي هي انقص ، ونبتدى في هذين بتبيين ما يخص المعارف التامة . فالتصديق التام هو اليقين ، والتصور التام هو تصور الشئ بما يلخص ذاته بنحو ما يخصه ، وذلك ان يتصور الشئ بما يدل عليه حده . [ ب 137 ر ] ونبتدى من هذين بتلخيص ما يخص التصديق التام ، فنقول : ان التصديق في الجملة هو ان يعتقد الانسان في امر حكم عليه بحكم انه في وجوده خارج الذهن على ما هو معتقد في الذهن . والصادق هو ان يكون الامر خارج الذهن ، على ما يعتقد فيه بالذهن . فالتصديق قد يكون بما هو صادق في الحقيقة وبما هو كاذب . والتصديق منه يقين ومنه مقارب لليقين ، ومنه التصديق الذي يسمى سكون النفس إلى الشئ وهو ابعد التصديقات عن اليقين . والتصديق بالكاذب ، فلا يقع فيه يقين أصلا ، بل انما يمكن اليقين في التصديق بما هو صادق .