كحال حسّ البصر من المبصرات ، والملك من المدينة مثل الاله من العالم .
وكما أن الملك ينبغي ان يكون واحدا ، كذلك الاله ينبغي ان يكون واحدا .
وكما أن الملوك إذا كانوا كثيرا ، تفرقت الكلمة ، واضطربت أمور المدينة ؛ كذلك لو كانت الآلهة كثيرة ؛ لاضطرب امر العالم .
ومن ذلك قول من قال حال اجزاء المدينة كحال اجزاء النفس من النفس ، وكحال أعضاء البدن من البدن . وأعضاء البدن مرتبطة بعضها ببعض ، فيجب من ذلك أن تكون اجزاء المدينة مرتبطة بعضها ببعض . وكما أن شيئا من الأعضاء إذا فسد ، فينبغي ان يبادر بعلاجه ، حتّى لا يتأدى فساده إلى سائر الأعضاء ؛ كذلك إذا فسد شئ من اجزاء المدينة ، ينبغي ان يصلح ويزال ذلك الفساد ، حتّى لا يتأدى إلى سائر اجزائها ، وما شاكل هذا من الكلام .
وقد يكون التشابه في اشكال الالفاظ ، فيوهم ذلك تشابها في المعنى . كما أن قائلا لو قال : لما كان حال السمع عند المسموع ، كحال الابصار عند [ ب 113 ر ] المبصر ؛ كان السمع يلتئم بان يرد علينا شئ من خارج ، لا بأن يخرج من اسماعنا شئ إلى المسموع ؛ كذلك الابصار يلتئم بان يرد علينا من المبصر شئ ، لا بان يخرج من ابصارنا شئ إلى المبصر .
فعانده آخر بان قال : ليس السمع مثل الابصار ، لان الابصار للمبصر مثل الا - كرام المكرم . فكما ان الاكرام هو ان يكون منّا إلى المكرم شئ لا بان يكون شئ من المكرم الينا ؛ كذلك الابصار هو ان يكون منّا إلى المبصر شئ لا بان يكون منه الينا ، بل السامع مثل القابل : كما أن القابل يكون قابلا لشئ يكون من غيره اليه ، كذلك السامع انما يكون سامعا لشئ قد كان من غيره اليه .
فان الأول قد استعمل التشابه في المعنى ، والثاني وهو المعاند استعمل التشابه في اللفظ فقط . فإنه ليس بين الابصار وبين الاكرام ، ولا بين المبصر ولا بين المكرم تشابه أصلا ، الا في اشكال ألفاظها بالعربيّة فقط . ولا أيضا بين السامع والقابل تشابه الا في شكل اللفظ فقط ،
المنطقيات للفارابي — صفحة 259
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٥٩