الانسان عن اخذ التشابه والوصل بين الأشياء يكسبه الضعف عن استنباط الأشياء ، لانّه لا يمكن من كان بهذه الحال ان يتخطّى ذهنه من شئ إلى شئ أصلا . وكذلك ضعفه عن الالفاظ [ ح 61 ر ] وضعفه عن اخذ التباين بين الأشياء .
والذي يغلّط هذه المواضع ممن نقصه بعض هذه القوى خاصة ، هو من كان تنقصه القوة على تباينات ما بين الأشياء ، والقوة على تميز ما بين دلالات الالفاظ .
ومن اتفقت له القوة على اخذ التشابه وضعف عن الباقية ، صار لا محالة تام الغلط ومتحيّرا في الأمور ، وصارت آراءه آراء افروطاغورس . وإذا كان مخاطبا كانت مخاطباته كلّها سوفسطائية ، وكانت قوّته في السوفسطائية على حسب قوّته على التشابه ، وضعفه عن الباقية .
ومن ضعف عن التشابه وقوى على التباين ، أكسبه ذلك بهميميّة ما . ومن ضعف مع ذلك عن دلالات الالفاظ ، كان أتم بهيميّة .
وكثير من الناس يلحقهم الضعف عن أن يحبسوا بأوهامهم تجانس ما بين الأشياء بسبب افراط النسيان الذي بهم . فإنهم ينسون ما يحصل في أذهانهم عن الحواس وعن الالفاظ أولا وأولا ، ويرد الثاني بعد امتحان الأول ، ويكون كأنه هو المحسوس أولا ووحده .
والتشابه بين شيئين انما تحصل معرفته إذا كان الشيئان جميعا حاضرين اما للحس ، واما للذهن . ويشبه ان يبيّن آخرا ، إذا تؤمل انه ليس كلّ انسان يصلح للعلوم ، ولا كل انسان كذلك [ ب 136 پ ] .
فمتى عرفنا القياس ، وقوينا على تباين ما بين الأشياء ؛ لم يقع علينا غلط ، إذا تامّلنا ؛ ولا مغالطة ، إذا خوطبنا .
كمل كتاب الأمكنة المغلّطة ، والحمد لله حق حمده .
المنطقيات للفارابي — صفحة 228
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص٢٢٨