فان أرسطوطاليس لمّا أثبت تلك الأشياء من كتبه ، جعل العبارة عنها بالألفاظ المعتادة عند أهل لسانه ، واستعمل أمثلة كانت مشهورة متداولة عند أهل زمانه .
فلمّا كانت عادة أهل هذا اللسان في العبارة غير عادة أهل تلك البلدان ، وأمثلة أهل هذا الزمان المشهورة عندهم غير الأمثلة المشهورة عند أولئك ؛ صارت الأشياء التي قصد أرسطوطاليس بيانها بتلك الأمثلة غير بيّنة ، ولا مفهومة عند أهل زماننا ، حتى ظن أناس كثير من أهل هذا الزمان بكتبه من المنطق أنّها لا جدوى لها ، وكانت تطرح .
ولمّا قصدنا نحن ايضاح تلك القوانين ، استعملنا في بيانها الأمثلة المتداولة بين النظّار من أهل زماننا . فانّه ليس اقتفاء أرسطوطاليس في شرح ما كتبه من القوانين أن تستعمل عبارة وأمثلة بأعيانها ، حتى يكون اقتفاؤنا له على حسب ما يظهر من فعله ، فان ذلك من فعل من هو غبي .
بل اقتفاؤه أن نحتذى حذوه على حسب مقصوده بذلك الفعل . وليس مقصوده بتلك الأمثلة والألفاظ أن يقتصر المتعلّم على معرفتها أنفسها فقط ، ولا أن يتطرق إلى تفهّم ما في كتبه بتلك الأمثلة والالفاظ ، وان يقتصر المتعلم على معرفتها فقط وحدها دون غيرها . لكن مقصوده تعريف الناس تلك القوانين ، بالأمور التي يتّفق أن تكون أعرف عندهم .
كما أنّه ليس الاقتداء به أن نجعل العبارة عنها لأهل لساننا بألفاظ اليونانيين ، وان كان هو حيث ألّفها عبّر عنها باليونانية . لكن الاقتفاء به ايضاح ما في كتبه لأهل كل لسان بألفاظهم المعتادة .
كذلك ليس الاقتداء به في الأمثلة أن نقتصر على ما أورده منها فقط ، لكن اقتفاء اثره في ذلك أن يوضح ما في كتبه من القوانين لأهل كل صناعة ، ولأهل كل علم ، وللنظّار في كل زمان بالأمثلة المعتادة عندهم ، فلذلك رأينا أن نطرح من أمثلته التي أوردها ما لم تجربه عادة نظّار أهل زماننا ، ونستعمل المشهور عندهم ، ونقتصر في كتابنا هذا على الضروري من أمر القياس على الاطلاق ، ونوجز القول فيه ، ونسهّله بغاية ما نقدر عليه ، وليكن مبدأ ذلك هذا .
المنطقيات للفارابي — صفحة 154
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١٥٤