في أنفسها مثل حالها عندنا . فان كثيرا من المجهولات التي صدقها على غير التحصيل عندنا ، يتغيّر حالها عندنا ، فيصير صدقها محصّلا بعد أن كان عندنا غير محصّل الصدق ، وذلك إذا علمناها بعد الجهل ، ويكون ذلك من غير أن تكون هي في أنفسها تغيّرت من لا وجود إلى وجود ، أو تكون قد تبدّلت عليها حال أخرى .
وأما الأمور الممكنة فان المتناقضات التي نجهلها منها ، والتي صدقها على غير التحصيل عندنا ، لا تصير أصلا ، ولا في وقت من الأوقات معلومة ، ولا يتحصل عندنا أن الصدق في هذا المشار اليه منهما دون الآخر ، ما لم يتغيّر فيصير موجودا بالفعل بعد أن كان ممكنا . وانّا يكون ممكنا ما دام معدوما . فان المتناقضة الممكنة مجهولة بالطبع ، لا بالإضافة الينا .
والمتناقضة الضّروريّة التي نجهلها نحن ، فهي مجهولة بالإضافة الينا لا بالطبع .
فانا انما نجهل الصادق [ ب 62 ر ] منهما لعجز طباعنا عن ادراكه ، وهو في نفسه حاصل على أحد الأمرين ، محصّلا ، معرضا للادراك ، غير ممتنع من جهة أن يدرك .
وأما الممكنة ، فإنها مجهولة عندنا ، لا لعجزنا نحن عن ادراكها ، بل لأنها في طبيعتها ممتنعة عن أن تدرك . ولأن الممكن بطبعه مجهول ، صرنا نسمى المتناقضات الاضطرارية المجهولة عندنا ممكنة أيضا . فانا نقول فيها ما دامت مجهولة لدينا انها ممكنة أن تكون كذا ، وألا تكون ، وانما نعنى أنها ممكنة عندنا وفي علمنا ، لا أنها في أنفسها ممكنة في طباعها .
فلا فرق في الاضطرارية بين قولنا : انه ممكن ، وبين قولنا : انه مجهول . فان قولنا : « ممكن أن يكون كذا وألا يكون » في أمثال هذه الأشياء معناه مجهول عندنا :
هل هو كذا ، أو كذا .
والامكان في الاضطرارية انما يرتفع بعلمنا بها ، من غير أن تتغيّر هي في أنفسها عمّا كانت عليه .
والامكان في التي هي بالطبع ممكنة انما يرتفع عنها بتغيّرها في أنفسها بان
المنطقيات للفارابي — صفحة 111
مساهمون: أبو نصر الفارابي
ص١١١