سبق بنا الكلام على الرذيلة فلم يبق علينا هنا إذن إلا أن نبحث عدم الاعتدال والرخاوة والفجور مقابلين بها الاعتدال الذي يذلل الشهوات والثبات الذي به يكون الصبر على كل شئ . وسنجمع بين هذين البحثين ، لأنه لا ينبغي الاعتقاد بأن كل واحد من هذه الاستعدادات حسنها أو قبيحها يشتبه تماما بالفضيلة والرذيلة ، ولا أنها من نوع مخالف لهما تمام المخالفة . « 4 » - وفي هذا يلزم أن يكون العمل كما في سائر البحوث الأخرى بأن يبتدأ بتقرير الأحداث كما تشاهد ، ثم بعد وضع المسائل التي تثيرها يجب التوجه إلى ايضاح الآراء المسلمة على العموم في أمر هذه الشهوات على هذا النمط . فإن لم يمكن تسجيل جميع الآراء فلا أقل من تعيين أكثرها والرئيسة منها . لأنه متى حلّت النقط الصعبة حقيقة ولم يبق بعد إلا النقط المسلم بها عند جميع الناس ، أمكن اعتبار الموضوع واضحا على قدر الكفاية . « 5 » - على هذا فمن المسلم أن الاعتدال الذي يضبط النفس ، والثبات الذي يعرف كيف يحتمل كل شئ هما بلا جدال كيفان صالحان وحقيقان بالاحترام . وعدم الاعتدال ، والرخاوة على ضدّ ذلك هما كيفان قبيحان ومذمومان . وعند جميع الناس أيضا أن الانسان المعتدل الذي يضبط نفسه هو في آن واحد الانسان المستمسك دائما بالعقل ، في حين أن عديم الاعتدال هو أيضا الانسان الذي يخرج على العقل وينكره . فان عديم الاعتدال يترك نفسه تملكها شهوته وهو عالم بأن
علم الأخلاق إلى نيقوماخوس — صفحة 157
مساهمون: أرسطو
ص١٥٧
هامش
( 4 ) - كما في سائر البحوث الأخرى - هذا هو النهج العام لأرسطو .
- الأحداث كما تشاهد - أو ربما كان بعبارة أخرى « كما يحكم عليها العوام » .
( 5 ) - الذي يضبط نفسه . . . - يعرف كيف يثبت على احتمال - تعبير عن كلمات المتن بجملة . - ينقطع الوفاق في الرأي - هذا الخلاف وارد على فرق غاية في الدقة .
- بعض المغايرة - ذلك بأن ليس لدى الفاجر نزاع أخلاقي قبل الخطيئة . أما عديم الاعتدال فإنه على ضد ذلك يشعر بأنه يعمل الشر ويقاوم بقدر ما يستطيع .