تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 5650

مساهمون:

ص٥٦٥٠
قد حمل القرآن ، فلمّا أن امتلأت الدّار من قرّاء النّاس ، دعا بمصحف إمام عظيم « 1 » ، فوضعه بين يديه ، فجعل يصكّه بيده « 2 » ويقول : أيّها المصحف ! حدّث النّاس ! فناداه النّاس فقالوا : يا أمير المؤمنين ، ما تسأل عنه ؟ إنّما هو مداد في ورق ، ونحن نتكلّم بما روينا منه ! فماذا تريد ؟ قال : أصحابكم هؤلاء الّذين خرجوا ، بيني وبينكم كتاب اللّه ، يقول اللّه تعالى في كتابه في امرأة ورجل
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما
( النساء / 35 ) فأمّة محمّد صلى اللّه عليه وسلّم أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل ، ونقموا عليّ أن كاتبت معاوية : كتب عليّ بن أبي طالب « 3 » ، وقد جاءنا سهيل ابن عمرو ونحن مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في الحديبية حين صالح قومه قريشا ، فكتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « بسم اللّه الرّحمن الرّحيم » فقال سهيل : لا تكتب بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، فقال : « كيف نكتب ؟ » فقال : اكتب باسمك اللّهمّ ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم : « فاكتب : محمّد رسول اللّه » ، فقال : لو أعلم أنّك رسول اللّه لم أخالفك ، فكتب : هذا ما صالح محمّد بن عبد اللّه قريشا ، يقول اللّه تعالى :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ
( الأحزاب / 21 ) ، فبعث إليهم عليّ عبد اللّه ابن عبّاس ، فخرجت معه « 4 » ، حتّى إذا توسّطنا عسكرهم ، قام ابن الكوّاء يخطب النّاس ، فقال : يا حملة القرآن ، إنّ هذا عبد اللّه بن عبّاس فمن لم يكن يعرفه ، فأنا أعرّفه من كتاب اللّه ما يعرفه به ، هذا ممّن نزل فيه وفي قومه
قَوْمٌ خَصِمُونَ
( الزخرف / 58 ) ، فردّوه إلى صاحبه « 5 » ، ولا تواضعوه كتاب اللّه « 6 » ، فقال خطباؤهم ، واللّه لنواضعنّه كتاب اللّه ، فإن جاء بحقّ نعرفه لنتّبعنّه ، وإن جاء بباطل لنبكّتنّه « 7 » بباطله ، فواضعوا عبد اللّه الكتاب ثلاثة أيّام ، فرجع منهم أربعة آلاف كلّهم تائب ، فيهم ابن الكوّاء ، حتّى أدخلهم على عليّ الكوفة ، فبعث عليّ إلى بقيّتهم فقال : قد كان من أمرنا وأمر النّاس ما قد رأيتم ، فقفوا حيث شئتم حتّى تجتمع أمّة محمّد صلى اللّه عليه وسلّم ، بيننا وبينكم ألّا تسفكوا دما حراما ، أو تقطعوا سبيلا ، أو تظلموا ذمّة « 8 » ، فإنّكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء « 9 » ، إنّ اللّه لا يحبّ الخائنين ، فقالت له عائشة : يا ابن شدّاد ، فقد قتلهم ، فقال : واللّه ما بعث إليهم حتّى قطعوا السّبيل ، وسفكوا الدّم ، واستحلّوا أهل الذّمّة ، فقالت : آللّه ؟ قال : آللّه الّذي لا إله إلّا هو لقد كان ، قالت : فما شيء
هامش
( 1 ) المراد مصحف كبير الحجم من تلك المصاحف التي أرسلها عثمان رضي اللّه عنه - إلى الأمصار . ( 2 ) صك الشيء بيده : أي ضربه بها ، والمراد وضع يده عليه . ( 3 ) في الكلام التفات من التكلم إلى الغيبة والمراد كتبت . ( 4 ) الخارج مع ابن عباس هو راوي الحديث وهو عبد اللّه بن شداد . ( 5 ) يريد عليّا كرم اللّه وجهه . ( 6 ) تواضعوه من المواضعة وأصلها المراهنة ، والمراد تحكيم كتاب اللّه في المجادلة فكأنهم وضعوه حكما بينهم . ( 7 ) لنبكّتنّه : أي لنقرّعنّه ونوبخنّه ، من قولهم : بكّته أي قرّعه ووبّخه . ( 8 ) أي أحدا منه أهل الذمة وهم المعاهدون . ( 9 ) نبذنا إليكم الحرب على سواء ، أي أظهرنا لكم نبذ العهد وأخبرنا بها ( أي الحرب ) إخبارا مكشوفا بيّنا .