تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 1962

مساهمون:

ص١٩٦٢
الدّلالة والأمارة ، قال تعالى
فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ
( المدثر / 49 ) « 1 » والاستذكار : الدّراسة للحفظ ، والتّذكّر : طلب شيء فات « 2 » . واستذكر الرّجل ربط في إصبعه خيطا ليذكر به حاجته . وذكرت الشّيء بعد النّسيان ، وتذكّرته ، وأذكرته غيري وذكّرته بمعنى ، قال اللّه تعالى :
وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ
( يوسف / 45 ) أي ذكر بعد نسيان ، وأصله اذتكر فأدغم « 3 » .

واصطلاحا :

التّخلّص من الغفلة والنّسيان « 4 » ويقول الرّاغب : « الذّكر تارة يقال ويراد به هيئة للنّفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة ، وتارة يقال لحضور الشّيء القلب أو القول ، ولذلك قيل الذّكر ذكران : ذكر بالقلب ، وذكر باللّسان » « 5 » .

منزلة الذكر :

يبيّن ابن القيّم منزلة الذّكر وأهميّته فيقول : وهي منزلة القوم الكبرى الّتي منها يتزوّدون ، وفيها يتّجرون ، وإليها دائما يتردّدون . والذّكر منشور الولاية الّذي من أعطيه اتّصل ، ومن منعه عزل ، وهو قوت قلوب القوم الّذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورا ، وعمارة ديارهم الّتي إذا تعطّلت عنه صارت بورا ، وهو سلاحهم الّذي يقاتلون به قطّاع الطّريق ، وماؤهم الّذي يطفئون به التهاب الحريق ، ودواء أسقامهم الّذي متى فارقهم انتكست منهم القلوب ، والسّبب الواصل ؛ والعلاقة الّتي كانت بينهم وبين علّام الغيوب .
إذا مرضنا تداوينا بذكركم * فنترك الذّكر أحيانا فننتكس
به يستدفعون الآفات ، ويستكشفون
الكربات ، وتهون عليهم به المصيبات ، إذا أظلّهم البلاء فإليه ملجؤهم ، وإذا نزلت بهم النّوازل فإليه مفزعهم ، فهو رياض جنّتهم الّتي فيها يتقلّبون . . يدع القلب الحزين ضاحكا مسرورا ، ويوصّل الذّاكر إلى المذكور ، بل يدع الذّاكر مذكورا . وفي كلّ جارحة من الجوارح عبوديّة مؤقّتة . والذّكر عبوديّة القلب واللّسان وهي غير مؤقّتة ، بل هم يؤمرون بذكر معبودهم ومحبوبهم في كلّ حال قياما وقعودا ، وعلى جنوبهم ، فكما أنّ الجنّة قيعان ، وهو غراسها فكذلك القلوب بور خراب ، وهو عمارتها وأساسها . وهو جلاء القلوب وصقالها ، ودواؤها إذا غشيها اعتلالها ، وكلّما ازداد الذّاكر في ذكره استغراقا . ازداد المذكور محبّة إلى لقائه واشتياقا ، . . به يزول الوقر عن الأسماع ، والبكم عن الألسن ، وتنقشع الظّلمة عن الأبصار . زيّن اللّه به ألسنة الذّاكرين ، كما
هامش
( 1 ) المفردات ( 180 ) . ( 2 ) المحيط في اللغة ( 6 / 235 ) . ( 3 ) اللسان « ذكر » ( 4 / 309 ) ( ط . بيروت ) . ( 4 ) مدارج السالكين ( 2 / 451 ) . ( 5 ) المفردات ( 179 ) .