تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 580

مساهمون:

ص٥٨٠
الشاهد الأول وهو الآيات 105 - 113 من سورة النساء ) مبرّءة ساحة هذا اليهوديّ ومنصفة . يقول أحد العلماء المعاصرين معلّقا على هذه الواقعة : يا للّه ! إنّه الإسلام ! الإسلام وحده في تاريخ البشريّة كلّه . وغير الإسلام لم يكن ضميره ليتحرك لتبرئة متّهم ينتمي إلى قوم بينه وبينهم كلّ ذلك العداء . ألا إنّها القمّة السّامقة الّتي لا يقيمها ابتداء إلّا الإسلام ، ولا يرقاها إلّا المسلمون في كلّ التّاريخ . لقد كانت كلّ الظّروف « مشجّعة » على اتّهام ذلك اليهوديّ وتبرئة ذلك المنافق الّذي ينتمي ولو شكلا إلى الإسلام ! . فالعداوة بين المسلمين واليهود قائمة في المدينة ، وكيد اليهود للمسلمين قائم واضح للعيان . إلّا أنّ الإسلام ما جاء ليتستّر على انحرافات البشريّة أو يتسامح مع شيء منها ! وما جاء ليجاري الجاهليّات فيما تقع فيه من انحراف . وإنّما جاء لينشأ الإنسان الصّالح في الأرض . إنّها ليست حادثا عارضا يمرّ فينسى ، إنّها درس هائل في التّربية على الأفق الأعلى لا يقدّمه إلّا الإسلام ، ولا يقدر عليه إلّا المسلمون . وإنّه لدرس في التّطبيق العمليّ للإنصاف الإلهيّ والعدل الرّبّانيّ الّذي لم تعرفه أمة في التّاريخ ، إلّا الأمّة الّتي ربّاها القرآن الكريم . تسع آيات كريمة تنزل لكشف ذلك المنافق الّذي انضمّ إلى المشركين بعد فضحه ، ولتبرئة ساحة ذلك اليهوديّ ، وما كان الإسلام ليتألّف قلب المنافق لأنّه يحمل اسما مسلما على حساب الإنصاف والعدل الّذي يريد إقامتهما في الأرض نبراسا لكلّ البشريّة . . لقد ذهب ابن أبيرق مع الشّيطان ، وبقي ذلك الدّرس الرّبّانيّ الخالد درسا وعاه المسلمون وحفظوه ، لتتعلّمه البشريّة منهم يوم تفيء إلى رشدها وتحبّ أن تعرف « 1 » الطّريق إلى ما فيه خيرها وسعادتها « 2 » . ومع أنّ هؤلاء اليهود هم أشدّ النّاس عداوة للّذين آمنوا إلّا أنّ هذه العداوة لم تمنع القرآن الكريم من إنصافهم إن هم أحسنوا أو أحسن بعضهم ، ومن مظاهر هذا الإنصاف ثناؤه عزّ وجلّ على بني إسرائيل ثناء عظيما ، يبلغ بهم ذروة شاهقة من الرّضا والتّقدير ، كما قال تعالى :
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ
هامش
( 1 ) دراسات قرآنية ( 466 - 469 ) بتصرف وايجاز . ( 2 ) أين هذا ممّا نشاهده في عالمنا المعاصر من ازدواجية في الحكم على الناس وعلى أعمالهم ؟ إنّ ازدواجية المعايير هذه قد أورثت كثيرا من النفوس حقدا ومرارة على الظالمين والطغاة الذين لا يعرفون معنى الإنصاف ، وكان من آثار ذلك ما نشاهده اليوم من أعمال إرهابية طائشة لا تفرق بين ظالم ومظلوم . ليت اليهود ومن يوالونهم يطبقون على غيرهم ما طبقه القرآن الكريم عليهم منذ خمسة عشر قرنا من الزمان فينصفون المسلمين الذين أوقعهم حظهم التعس تحت سيطرتهم ، ويعاملونهم بما عاملهم به المسلمون يوما ما - ولا يزالون - متأسين بروح القرآن الكريم . إنه لا خلاص للعالم شرقه وغربه ، شماله وجنوبه إلا بالتحلي بروح الإنصاف وإقامة العدل بين الناس جميعا بغض النظر عن جنسياتهم ودياناتهم وألوانهم ، وإذا تم ذلك بالفعل جفت منابع الإرهاب وانقطعت حجة الإرهابيين ، ونعم العالم كله بالسلام وساده الأمن والأمان ، وما ذلك على اللّه - عز وجل - بعزيز .
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 580 | صالح حميد / عبد الرحمن ملوح