تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
ينصف النّاس من لا ينصف نفسه . أن ينصف المرء خالقه عزّ وجلّ ، حيث لا يتصوّر أن ينصف المخلوقين من لا ينصف الخالق عزّ وجلّ . إنصاف النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . إنصاف العباد . وسوف نتحدّث عن هذه الأنواع المختلفة بإيجاز فيما يلي :

أوّلا : إنصاف المرء نفسه من نفسه :

إنّ أولى درجات الإنصاف ، أن يكون الإنسان منصفا نفسه لأنّ من لم يفعل ذلك لا يستطيع إنصاف غيره انطلاقا من القاعدة المعروفة [ فاقد الشّيء لا يعطيه ] يقول ابن القيّم - رحمه اللّه تعالى - ويدخل في الإنصاف : إنصاف المرء نفسه من نفسه ، بألّا يدّعي لها ما ليس لها ، ولا يخبّثها بتدنيسه لها ، وتصغيره إيّاها وتحقيرها بمعاصي اللّه عزّ وجلّ ، بل ينمّيها ويكبّرها ويرفعها بطاعة اللّه وتوحيده ، وحبّه وخوفه ورجائه ، والتّوكّل عليه ، والإنابة إليه ، وإيثار مرضاته على مراضي الخلق ومحابّهم . . إنّ إنصاف المرء نفسه من نفسه يوجب عليه معرفة ربّه وحقّه عليه ، ومعرفة نفسه ، وما خلقت له ، وألّا يزاحم بها مالكها وفاطرها ويدّعي لها الملكة والاستحقاق ، ويزاحم مراد سيّده ، ويدفعه بمراده هو ، أو يقدّم مراده ( كالشّهوات مثلا ) ويؤثره على مراد مولاه ، أو يقسم إرادته بين مراد سيّده ومراده هو ، وهذه قسمة ضيزى مثل قسمة الّذين قالوا :
هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
( الأنعام / 136 ) . فلينظر العبد ألّا يكون من أهل هذه القسمة بين نفسه وشركائه ( من ناحية ) ، وبين اللّه عزّ وجلّ ( من ناحية أخرى ) . وإلّا يفعل لبّس عليه وهو لا يشعر ، وكيف ينصف غيره من لم ينصف نفسه ؟ فظلمها أقبح الظّلم ، وسعى في ضررها أعظم السّعي ، ومنعها أعظم لذّاتها من حيث ظنّ أنّه يعطيها إيّاها فأتعبها كلّ التّعب ، وأشقاها كلّ الشّقاء من حيث ظنّ أنّه يريحها ويسعدها ، وجدّ كلّ الجدّ في حرمانها حظّها من اللّه عزّ وجلّ وهو يظنّ أنّه ينيلها حظوظها ، كيف يرجى الإنصاف ( للغير ) ممّن هذا إنصافه لنفسه ؟ إذا كان هذا فعل العبد بنفسه ، فماذا تراه بالأجانب يفعل ؟ « 1 » .

ثانيا : إنصاف اللّه - عزّ وجلّ - :

قال ابن القيّم : « طوبى لمن أنصف ربّه فأقرّ له بالجهل في علمه ، والآفات في عمله ، والعيوب في نفسه ، والتّفريط في حقّه ، والظّلم في معاملته ، فإن آخذه بذنوبه رأى عدله ، وإن لم يؤاخذه بها رأى فضله ، وإن عمل حسنة رآها من منّته وصدقته عليه ، فإن قبلها فمنّة وصدقة ثانية ، وإن ردّها فلكون مثلها لا يصلح أن يواجه به ، وإن عمل سيّئة رآها من تخلّيه عنه وخذلانه له ، وإمساك عصمته عنه ، وذلك من عدله فيه ، فيرى في ذلك فقره إلى ربّه ، وظلمه في نفسه ، فإن غفرها له فبمحض إحسانه وجوده وكرمه . ونكتة
هامش
( 1 ) باختصار وتصرف عن زاد المعاد لابن القيم ( 2 / 408 - 410 ) .
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 578 | صالح حميد / عبد الرحمن ملوح