تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
أبغض في اللّه لا يحمله بغضه على ظلم من أبغضه » « 1 » . لقد امتثل عبد اللّه بن رواحة - رضي اللّه عنه - للمنهج الرّبّانيّ الّذي يكفل العدل بين النّاس ، والّذي يعطي كلّ ذي حقّ حقّه من المسلمين وغير المسلمين . ففي هذا الحقّ يتساوى عند اللّه المؤمنون وغير المؤمنين . قال تعالى :
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً
( النساء / 135 ) « 2 » . وقد أقرّ اليهود صنيع عبد اللّه بن رواحة لعلمهم أنّ العدل قد أمر اللّه عزّ وجلّ - به النّاس جميعا ، لأنّه واجب لكلّ أحد على كلّ أحد في جميع الأحوال . والظّلم لا يباح منه شيء بحال ، ولذا قالوا لعبد اللّه بن رواحة : ( هذا الحقّ به تقوم السّماء والأرض ) : أي بهذا الحقّ والعدل قامت السّموات فوق الرّءوس بغير عمد ، والأرض استقرّت على الماء تحت الأقدام « 3 » .

تناصف الصّحابة . رضوان اللّه عليهم . :

لإنصاف الصّحابة - رضوان اللّه عليهم - غيرهم ممّن يحبون أو يكرهون أمثلة عديدة ونماذج مشرّفة ذكرنا كثيرا منها في الآثار فأغنى ذلك عن ذكرها هنا ( انظر الآثار أرقام : 4 ، 5 ، 6 ، 7 ، 8 ) .

إنصاف أهل السنة والجماعة للمبتدعة :

وإذا كنّا مأمورين بالإنصاف مع غير المسلمين فلأن نكون منصفين لأهل البدعة ممّن لم يخرجوا عن الإسلام أولى . يقول ابن تيمية - رحمه اللّه - : كلّ من كان مؤمنا بما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم فهو خير من كلّ من كفر به ، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة سواء كانت بدعة الخوارج والشّيعة والمرجئة والقدريّة أو غيرهم ، فإنّ اليهود والنّصارى كفّار كفرا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام ، والمبتدع إذا كان يحسب أنّه موافق لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا مخالف له لم يكن كافرا به ، ولو قدر أنّه يكفّر فليس كفره مثل كفر من كذّب الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم « 4 » . وقال - وهو يتحدّث عن الصّوفيّة وما أحدثوه من السّماع والرّقص وتمزيق الثّياب : « والّذين شهدوا هذا اللّغو متأوّلين من أهل الصّدق والإخلاص غمرت حسناتهم ما كان لهم من السّيّئات أو الخطأ في مواقع الاجتهاد ، وهذا سبيل كلّ صالحي الأمّة في خطئهم وزلّاتهم » « 5 » . وقال فيمن خالفوه وكفّروه من أهل البدع : « هذا ، وأنا في سعة صدر لمن يخالفني ، فإنّه وإن تعدّى حدود اللّه فيّ بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبيّة جاهليّة فأنا لا أتعدّى حدود اللّه فيه ، بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل ، وأجعله مؤتمّا بالكتاب الّذي أنزله اللّه وجعله هدى للنّاس حاكما فيما اختلفوا فيه » . إلى أن قال : « وذلك أنّك ما جزيت من عصى اللّه فيك بمثل أن تطيع اللّه فيه » « 6 » . وأمّا ابن القيّم - رحمه اللّه - فحين تحدّث عن
هامش
( 1 ) التمهيد ( 9 / 140 ) . ( 2 ) المرجع السابق نفسه . ( 3 ) عون المعبود شرح سنن أبي داود ( 3 / 273 ) بواسطة الإنصاف ( 51 ) . ( 4 ) مجموع الفتاوى ( 35 / 201 ) . ( 5 ) الاستقامة ( 1 / 197 - 198 ) . ( 6 ) مجموع الفتاوى ( 3 / 245 - 246 ) .