تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
الصّوفيّة وشطحاتهم قال فيما قال : « . . . هذا ونحوه من الشّطحات الّتي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات ، ويستغرقها كمال الصّدق ، وصحّة المعاملة ، وقوّة الإخلاص ، وتجريد التّوحيد ، ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولو كان ( كلّ ) من أخطأ أو غلط ترك جملة ، وأهدرت محاسنه ، لفسدت العلوم والصّناعات ، والحكم ، وتعطّلت معالمها « 1 » . وإذا كانت هذه الشّطحات قد أوجبت فتنة على طائفتين من النّاس : إحداهما حجبت بها ( أي بالشّطحات ) عن محاسن هذه الطّائفة والأخرى : حجبت بما رأوه من محاسن القوم عن رؤية عيوب شطحاتهم وكلا هاتين الطّائفتين معتد مفرّط . أمّا أهل العدل والإنصاف فهم هؤلاء الّذين أعطوا كلّ ذي حقّ حقّه ، ولم يحكموا للصّحيح بحكم السّقيم ، ولا للسّقيم بحكم الصّحيح ، ولكن قبلوا ما يقبل وردّوا ما يردّ « 2 » .

آداب أهل الإنصاف :

التّحلّي بصفة الإنصاف ، وسلوك درب المنصفين يلزم معه التّأدّب بآداب خاصّة ، وقد التزم بها أهل السّنّة والجماعة ، وعلى من يسير على منهجهم أن يتأدّب بتلك الآداب ، وأهمّها :

1 - التّجرّد وتحرّي القصد عند الكلام على المخالفين :

وذلك أنّه قد تلتبس المقاصد عند الكلام عن المخالفين ، فهناك قصد حبّ الظّهور ، وقصد التّشفّي والانتقام ، وقصد الانتصار للنّفس أو للطّائفة الّتي ينتمي إليها النّاقد . . وقد حذّر ابن تيمية من يردّ على أهل البدع من التباس المقاصد فقال : « . . . وهكذا الرّدّ على أهل البدع من الرّافضة وغيرهم ، وإذا غلّظ في ذمّ بدعة أو معصية كان قصده بيان ما فيها من إفساد ليحذر العباد ، كما في نصوص الوعيد وغيرها . وقد يهجر الرّجل عقوبة وتعزيرا والمقصود بذلك ردعه وردع أمثاله للرّحمة والإحسان ، لا للتّشفّي والانتقام » وقد انتبه ابن القيّم - رحمه اللّه - إلى هذا الأمر فوضع قاعدة لمن يريد أن يتجرّد من الهوى فقال : « وكلّ أهل نحلة ومقالة يكسون نحلتهم ومقالتهم أحسن ما يقدرون عليه من الألفاظ ، ومقالة مخالفيهم أقبح ما يقدرون عليه من الألفاظ ، ومن رزقه اللّه بصيرة فهو يكشف بها حقيقة ما تحت الألفاظ من الحقّ والباطل ، ولا تغترّ باللّفظ كما قيل في هذا المعنى :
تقول هذا جنى النّحل تمدحه * وإن تشأ قلت : ذا قيء الزّنابير
مدحا وذمّا وما جاوزت وصفهما * والحقّ قد يعتريه سوء تعبير

2 - أهمية التبين والتثبت قبل إصدار الأحكام :

وذلك امتثالا لقول اللّه تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
( الحجرات / 6 ) ، وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً
( النساء / 94 ) .
هامش
( 1 ) مدارج السالكين ( 2 / 40 ، 41 ) . ( 2 ) مدارج السالكين ( 2 / 41 ) .