تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
المسألة وسرّها أنّه لا يرى ربّه إلّا محسنا ، ولا يرى نفسه إلّا مسيئا أو مفرّطا أو مقصّرا ، فيرى كلّ ما يسرّه من فضل ربّه عليه ، وإحسانه إليه ، وكلّ ما يسوؤه من ذنوبه وعدل اللّه فيه « 1 » . ومن الإنصاف في حقّ المولى عزّ وجلّ الإنصاف في معاملته ، وفي هذا يقول ابن القيّم أيضا : « الإنصاف في معاملة اللّه أن يعطي العبوديّة حقّها ، وأن لا ينازع ربّه صفات إلهيّته ، وأن لا يشكر على نعمه سواه ، ولا يستعين بها على معاصيه ، ولا يحمد غيره ، ولا يعبد سواه » « 2 » .

ثالثا : إنصاف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم :

وذلك بالقيام بحقوقه صلّى اللّه عليه وسلّم من الإيمان به ، ومحبّته وتقديمها على محبّة الخلق كلّهم ، وطاعته وتوقيره وتبجيله ، وتقديم أمره وقوله على أمر غيره وقوله . فمن الظّلم العظيم أن يخلّ العبد بشيء من حقوق النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الّذي هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وأرحم بهم وأرأف بهم من كلّ أحد من الخلق ، وهو الّذي لم يصل إلى أحد خير إلّا على يديه . « 3 » .

رابعا : إنصاف العباد

يقصد بإنصاف العباد أن يقوم المسلم بإنصاف الغير من نفسه أو ممّن يحبّ ، حتّى لو كان هذا الغير مخالفا له في الرّأي ، أو في الدّين ، أو في المذهب ، أو غير ذلك ممّا يقتضي التّحامل ، أو يكون مظنّة للجور ، ومن إنصاف النّاس - كما يقول ابن القيّم : أن تؤدّي حقوقهم وألّا تطالبهم بما ليس لك ، وألّا تحمّلهم فوق وسعهم ، وأن تعاملهم بما تحبّ أن يعاملوك به ، وأن تعفيهم ممّا تحبّ أن يعفوك منه ، وأن تحكم لهم أو عليهم بما تحكم به لنفسك أو عليها « 4 » ، ولإنصاف العباد صور كثيرة ونماذج متعدّدة جاء بها القرآن الكريم والسّنّة المطهّرة ، ودلّت عليها آثار سلفنا الصّالح ، وهذا ما سوف نتناوله في الفقرة التالية .

القرآن الكريم يقدم المثل الأعلى للإنصاف :

إنّ إنصاف المرء أخاه في النّسب أو الدّين قد يكون أمرا معقولا تقرّه الطّبائع السّليمة والفطر النّقيّة ، أمّا إنصاف العدوّ وتبرئة ساحته مع مخالفته لنا في الدّين فهذا ما لا يستطيعه إلّا من تربّى على مائدة الإسلام وتشبّع بروح العدل والإنصاف الّتي جاء بها القرآن ، يقول أبو حيّان في تفسير قول اللّه تعالى :
إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً
( النساء / 105 ) ، يتلخّص سبب النّزول في « أنّ طعمة ابن أبيرق سرق درعا في جراب فيه دقيق لقتادة بن النّعمان ، وخبّأها عند يهوديّ ، فحلف طعمة مالي بها علم ، فاتّبعوا أثر الدّقيق إلى دار اليهوديّ ، فقال اليهوديّ : دفعها إليّ طعمة » « 5 » . فلمّا همّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بالقضاء في هذه المسألة نزلت الآيات الكريمة ( انظر
هامش
( 1 ) الفوائد ( 49 ) . ( 2 ) نقلا عن كتاب الانصاف لابن غازي ( 24 . ) ( 3 ) الإنصاف لأبي الحسن ساعد بن عمر بن غازي ( 24 ) ، وقد نقل عن بهجة قلوب الأبرار للشيخ عبد الرحمن السعدي ( 41 - 42 ) . ( 4 ) زاد المعاد ( 2 / 407 ) بتصرف . ( 5 ) تفسير البحر المحيط ( 3 / 358 ) .