تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
عداوتهم ، وصاروا بالإسلام إخوانا متواصلين ، وبألفة الدّين أعوانا متناصرين ، قال اللّه تعالى :
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
( آل عمران / 103 ) يعني أعداء في الجاهليّة فألّف بين قلوبكم بالإسلام ، وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا
( مريم / 96 ) يعني : حبّا ، وعلى حسب التّأليف على الدّين تكون العداوة فيه ، إذا اختلف أهله ، فإنّ الإنسان قد يقطع في الدّين من كان به بارّا ، وعليه مشفقا . هذا أبو عبيدة بن الجرّاح وقد كانت له المنزلة العالية في الفضل ، والأثر المشهور في الإسلام . قتل أباه يوم بدر طاعة للّهّ - عزّ وجلّ - ولرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، حين بقي على ضلاله ، وانهمك في طغيانه ، فلم تعطفه عليه رحمة ، ولا كفّه عنه شفقة ، وهو من أبرّ الأبناء ، تغليبا للدّين على النّسب ، ولطاعة اللّه تعالى على طاعة الأب . وعلّة ذلك أنّ الدّين والاجتماع على العقد الواحد فيه لمّا كان أقوى أسباب الألفة ، كان الاختلاف فيه من أقوى أسباب الفرقة . وأمّا النّسب : وهو الثّاني من أسباب الألفة ، فلأنّ تعاطف الأرحام ، وحميّة القرابة ، يبعثان على التّناصر والألفة . وتمنعان من التّخاذل والفرقة ، أنفة من استعلاء الأباعد على الأقارب ، وتوقيّا من تسلّط الغرباء الأجانب . ولذلك حفظت العرب أنسابها ، لمّا امتنعت عن سلطان يقهرها ، ويكفّ الأذى عنها لتكون بها متضافرة على من ناوأها ، متناصرة على من شاقّها وعاداها ، حتّى بلغت بألفة الأنساب تناصرها على القويّ الأيد ، وتحكّمت فيه تحكّم المتسلّط المتشطّط . وأمّا المصاهرة : وهي الثّالث من أسباب الألفة ، فلأنّها استحداث مواصلة ، وتمازج مناسبة ، صدرا عن رغبة واختيار ، وانعقدا عن خبرة وإيثار ، فاجتمع فيها أسباب الألفة ، وموادّ المظاهرة ، قال اللّه تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
( الروم / 21 ) يعني بالمودّة المحبّة ، وبالرّحمة الحنوّ والشّفقة ، وهما من أوكد أسباب الألفة . وفيها تأويل آخر ، قاله الحسن البصريّ - رحمه اللّه - : إنّ المودّة النّكاح ، والرّحمة الولد . وقال تعالى :
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً
( النحل / 72 ) . ولم تزل العرب تجتذب البعداء ، وتتألّف الأعداء بالمصاهرة ، حتّى يرجع النّافر مؤانسا ، ويصير العدوّ مواليا ، وقد يصير للصّهر بين الاثنين ، ألفة بين القبيلتين ، وموالاة بين العشيرتين . حكي عن خالد بن يزيد بن معاوية : أنّه قال : كان أبغض خلق اللّه - عزّ وجلّ - إليّ آل الزّبير ، حتّى تزوّجت منهم « رملة » فصاروا أحبّ خلق اللّه - عزّ وجلّ - إليّ . وأمّا المؤاخاة بالمودّة : وهي الرّابع من أسباب الألفة ، فلأنّها تكسب بصادق الودّ إخلاصا ومصافاة ، وتحدث بخلوص المصافاة وفاء ومحاماة ، وهذا أعلى مراتب الألفة ، ولذلك آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بين أصحابه ، لتزيد ألفتهم ، ويقوى تضافرهم وتناصرهم .