تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص ) — صفحة 496

مساهمون:

ص٤٩٦
الخامسة : التّضرّع والخشوع للمألوف « 1 » .

الألفة وصلاح الإنسان :

ذكر الماورديّ : أنّ الألفة الجامعة هي إحدى القواعد المهمّة الّتي يصلح بها حال الإنسان ، وذلك أنّ الإنسان مقصود بالأذيّة ، محسود بالنّعمة ، فإذا لم يكن آلفا مألوفا تخطّفته أيدي حاسديه ، وتحكّمت فيه أهواء أعاديه ، فلم تسلم له نعمة ، ولم تصف له مدّة ، فإذا كان آلفا مألوفا انتصر بالألفة على أعاديه ، وامتنع من حاسديه ، فسلمت نعمته منهم ، وصفت له مدّته « 2 » عنهم ، وإن كان صفو الزّمان عسرا وسلمه خطرا « 3 » .

الألفة والعلاقات الاجتماعية :

يقول الدّكتور عليّ خليل : هذه الألفة الجامعة بين الأفراد من خواصّ الجانب الاجتماعيّ في الشّخصيّة المسلمة باعتبارها تجاذب يشدّ الفعل الاجتماعيّ المختار ، والعلاقات والتّفاعلات الاجتماعيّة بعضها إلى بعض ، وهي تؤدّي إلى القوّة في التّرابط والصّحّة في التّوافق ، والمتعة في التّضام ، وهي الّتي تشدّ بناء الجماعة المسلمة بعضه إلى بعض . ووظيفتها الاجتماعيّة مهمّة ، لأنّها داعية إلى التّماسك الاجتماعيّ ، واستقرار بنائه ، ولها أهمّيّتها الخاصّة لكلّ من الفرد والجماعة لما فيها من داع إلى التّناصر والسّلامة الاجتماعيّة ، ولما توفّره من جوّ اجتماعيّ سليم صحيح لنموّ الشّخصيّة الاجتماعيّة ، وقد حثّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على الألفة لأنّها كما يقول الإمام الماورديّ : « تجمع الشّمل وتمنع الذلّ « 4 » » .

أسباب الألفة ودواعيها :

أسباب الألفة خمسة ، وهي : الدّين ، والنّسب ، والمصاهرة ، والمودّة ، والبرّ . فأمّا الدّين : فلأنّه يبعث على التّناصر ، ويمنع من التّقاطع والتّدابر . وبمثل ذلك وصّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه ، فروى سفيان عن الزّهريّ عن أنس - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا . وكونوا عباد اللّه إخوانا ، لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث » هذا وإن كان اجتماعهم في الدّين يقتضيه ، فهو على وجه التّحذير من تذكّر تراث الجاهليّة ، وإحن « 5 » الضّلالة ، فقد بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والعرب أشدّ تقاطعا وتعاديا ، وأكثر اختلافا وتماديا ، حتّى إنّ بني الأب الواحد كانوا يتفرّقون أحزابا ، فتثور بينهم بالتّحزّب والافتراق أحقاد الأعداء وإحن البعداء ، وكانت الأنصار أشدّهم تقاطعا وتعاديا ، وكان بين الأوس والخزرج من الاختلاف والتّباين ، أكثر من غيرهم ، إلى أن أسلموا ، فذهبت إحنهم ، وانقطعت
هامش
( 1 ) كشاف اصطلاحات الفنون ( 1 / 114 ) ، ومن الواضح هنا أن الألفة المقصودة لا تكون إلّا مع جناب المولى - عز وجل - . ( 2 ) المدة هنا بمعنى معيشة الإنسان وأيام حياته . ( 3 ) أدب الدنيا والدين ( 148 ) . ( 4 ) قراءة تربوية في فكر أبي الحسن البصري الماوردي للدكتور علي خليل مصطفى ( 296 - 297 ) . ( 5 ) الإحن : جمع إحنة وهي الحقد في الصدر .